فكيف و قد نادى الحق عباده في كتابه المنزل علينا فقال: وَ لِلّٰهِ عَلَى
اَلنّٰاسِ حِجُّ اَلْبَيْتِ -فوجب السعي. -غير أن الشريعة التي شرع اللّٰه في السعي إلى الجمعة أن يكون بالسكينة و الوقار، كالسعي في الافاضة من عرفات إلى المزدلفة بالسكينة.
فان النبي-ص-كان يقول للناس، لما رآهم أسرعوا في الافاضة من عرفات التي هي موقف حصول المعرفة بالله، فلما أفاضوا عن أمره إلى المزدلفة، و هو مقام القربة و الاجتماع بالمعروف فيها، و هو تجل خاص منه (-تعالى-) لقلوب عباده، و لهذا سميت جمعا و مزدلفة، من الزلفى-و هو القرب-، فقال لهم رسول اللّٰه: "السكينة السكينة! "كما قال في السعي إلى الجمعة: "لا تأتوها و أنتم تسعون"- أي مسرعون في السعي، "و ائتوها و عليكم السكينة في سعيكم و الوقار".
فاجتمعت الجمعة و جمع في هذه الحقيقة الجمعية به-تعالى-
في المقامين. -و قوله (-ع-) : "و الوقار"-(أي) سعى في سكون و تهد: مشى المثقل، لأنه من"الوقر"و هو الثقل، فان المعرفة بالله تعطى ذلك. فإنه من عرفه (-تعالى-) شاهده، و من شاهده لم يغب، فإذا دعاه من مقام إلى مقام فهو لا يسرع إلا من أجله، و هو مشاهد له. فإنه به يسعى، فيمشي على ترسل، مشى المثقل. فهذا معنى الوقار. فإنه لا يكون السكون في الأشياء إلا عن هيبة و تعظيم، لا عن إعياء و تعب. فان السعي بالله لا تعب فيه و لا نصب.