موجودون اليوم في أعيانهم، لكن لا حكم لهم في الحمل الخاص إلا غدا. كذلك هذه الصفات التي ذكرناها (من العلم و القدرة و الإرادة و الكلام) لا حكم ينفذ لهم في الدنيا دائما. و إنما حكمهم في الآخرة للسعداء.
و حكم الأربعة الذين هم طبائع هذا البيت ظاهرة الحكم في الأجسام.
فان قلت: فما معنى قولك"حكمهم"؟ قلت: فان العلم لا يشاهد العالم معلومة إلا في الآخرة، و القدرة لا ينفذ حكمها إلا في الآخرة. فلا يعجز السعيد عن تكوين شيء، و إرادته غير قاصرة، فما يهم بشيء يريد حضوره إلا حضر، و كلامه نافذ. فما يقول لشيء: كن! الا و يكون فالعلم له عين في الآخرة. و ليس هذا حكم هذه الصفات في النشاة الدنيا مطلقة. فاعلم ذلك! فالإنسان في الآخرة نافذ الاقتدار.
(بيت اللّٰه قلب عبده المؤمن)
فالله بيته قلب عبده المؤمن. و البيت بيت اسمه-تعالى-، و العرش مستوى الرحمن. "فأيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى". -"فلا تجهر بصلاتك و لا تخافت بها"-"فإنه يعلم الجهر و ما يخفى"-كما أنه"يعلم السر و اخفى"-و أخفى هو قوله: وَ اِبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً -فإنه أخفى من السر، أي أظهر. فان الوسط الحائل بين الطرفين، المعين للطرفين و المميز لهما، هو أخفى منهما. كالخط. الفاصل بين الظل و الشمس، و البرزخ بين البحرين الأجاج و الفرات، و الفاصل بين السواد و البياض، في الجسم: نعلم أن ثم فاصلا، و لكن لا تدركه العين و يشهد له العقل، و إن كان لا يعقل ما هو؟ أي لا يعقل ماهيته.