فما اختلف العلماء في حكم الحاكم بين الخصمين بغلبة الظن، و اختلفوا في حكمه بعلمه. فكانت غلبة الظن في هذا النوع أصلا متفقا عليه، يرجع إليه، و كان العلم في ذلك مختلفا فيه. و الحق تعالى و إن لم يكن عنده إلا العلم، فإنه يحكم بالشهود. و لهذا جاء: قٰالَ: رَبِّ! اُحْكُمْ بِالْحَقِّ - أي بما شرعت لي، و أرسلتنى به.
(معرفة اللّٰه بطريق العقل و بطريق الشرع)
و في هذا الطريق، معرفة اللّٰه بطريق العقل (هي معرفة) بطريق الخرص، و لهذا تقبل الشبهة القادحة في الأدلة. و معرفة اللّٰه من طريق الشرع المتواتر (هي) مقطوع بها، لا تقدح فيها شبهة عند المؤمن أصلا، و إن جهلت النسبة. فالعلم بالله (على سبيل القطع إنما هو) من جهة الشرع، و هو تعريف الحق عباده بما هو عليه، فإنه (سبحانه) أعلم بنفسه من عباده به.
(العلم بالله من اللّٰه)
فان العلم به (أي بالله) منه (أي من اللّٰه) أن يعلم أنه (-سبحانه! -) جامع بين"التنزيه"و"التشبيه". و هذا، في الأدلة النظرية، غير سائغ. أعنى الجمع بين الضدين في المحكوم عليه، ليس ذلك (سائغا) إلا هنا (-في الإلهيات) خاصة. فلا يحكم عليه (-تعالى! -) خلقه. و العقل، و نظره، و فكره، من خلقه. فكلامه (أي العقل من حيث فكره و نظره) في موجده (-تعالى! -) بانه ليس كذا، أو هو كذا، (إنما هو) خرص بلا شك. و الخارص قد يصيب و قد يخطئ.