(ابن عربى شاهد على عصره)
و قد يكون مشوبا، أيضا، في الاستحقار من يعطى من أجل اللّٰه، و يأخذ بيد اللّٰه. -رأيت بعض أهل اللّٰه فيما أحسب-فانى لا أزكى على اللّٰه أحدا، كما أمرنا رسول اللّٰه-ص-و فعله، و قد نهانا اللّٰه عن ذلك- و قد سال فقير شخصا أن يعطيه صدقة لله. فاخرج الرجل المسئول صرة
فيها قطع فضة بين كبير و صغير، فأخذ يفتش فيها بيده، و ذلك الرجل الصالح ينظر إليه. ثم رد وجهه إلى و قال لي: "(أ) تعلم على ما يبحث هذا المتصدق؟ ". -قلت: "لا! "قال: "على قدر منزلته عند اللّٰه! فإنه يعطى من أجل اللّٰه، فإذا رأى قطعة كبيرة يعدل عنها و يقول: "ما تساوى عند اللّٰه هذا القدر! "إلى أن عمد إلى أصغر قطعة وجدها، فأعطاها السائل فقال ذلك الصالح: "هذه قيمتك عند اللّٰه! "
(كل شيء محتقر في جنب اللّٰه)
ألا كل شيء محتقر في جنب اللّٰه! لكن، هنا كرم إلهى يستند إلى غيرة إلهية. و ذلك أن الناس، يوم القيامة، ينادى مناد فيهم من قبل اللّٰه: "أين ما أعطى لغير اللّٰه؟ "-فيؤتى بالأموال الجسام، و العقار، و الأملاك. ثم يقال: "أين ما أعطى لوجهي؟ "-فيؤتى بالكسر اليابسة، و الفلوس، و قطع الفضة المحقرة، و الخلع من الثياب. فغار الحق لذلك أن يعطى لوجهه، من نعمته، مثل ذلك. فأخذ الصدقة بيده و رباها حتى صارت مثل جبل أحد، أكبر ما يكون. فيظهرها له على رؤوس الأشهاد، و يحقر ما أعطى لغير وجه اللّٰه، فيجعله هباء منثورا. -
فلا بد من"الاستحقار"لمن هذا مشهده، و أمثال هذا مما يطول ذكره. -و قد نبهنا على ما فيه كفاية من ذلك، مما تدخل فيه الأربعة الأقسام، التي قسمنا العالم إليها في أول هذا الفصل.