و قد يستعظم ذلك، أيضا، من حيث قول اللّٰه تعالى:
يٰا أَيُّهَا اَلنّٰاسُ! أَنْتُمُ اَلْفُقَرٰاءُ إِلَى اَللّٰهِ -فتسمى اللّٰه في هذه الآية، بكل شيء يفتقر إليه. و هذا منها. و أسماء الحق معظمة. و هذا من أسمائه. و هو دقيقة لا يتفطن إليها كل أحد إلا من يشاهد هذا المشهد. و هو من باب الغيرة الإلهية و النزول الإلهي العام، مثل قوله-تعالى-: وَ قَضىٰ رَبُّكَ أَلاّٰ تَعْبُدُوا إِلاّٰ إِيّٰاهُ -مع ما عبد في الأرض من الحجارة و النبات و الحيوان، و في السماء من الكواكب و الملائكة. و ذلك لاعتقادهم في كل معبود أنه إله، لا لكونه حجرا و لا شجرة و لا غير ذلك. و إن أخطئوا في النسبة، فما أخطئوا في المعبود. فلهذا قال (تعالى) : وَ قَضىٰ رَبُّكَ أَلاّٰ تَعْبُدُوا إِلاّٰ إِيّٰاهُ -فكان من قضائه أنهم اعتقدوا الإله: و حينئذ عبدوا ما عبدوا. -فهذا من الغيرة الإلهية، حتى لا يعبد إلا من له هذه الصفة. و ليس إلا اللّٰه-سبحانه! - في نفس الأمر. -فقد تستعظم الصدقة من هذه الكشف.
الوجوه المختلفة لاستحقار الأشياء عند أهل اللّٰه)
و أما استحقارها (أي الصدقة) عند بعضهم، فلمشهد آخر ليس هذا. فان مشاهد القوم و أحوالهم و أذواقهم و مشاربهم تحكم عليهم بقوتها و سلطانها. و هل كل ما ذكرناه في الاستعظام إلا من باب حكم الأحوال و الأذواق و المشاهد على أصحابها؟
(الإمكان للممكن صفة افتقارية)
فمنها أن يشاهد (المكاشف) إمكان ما تعطيه من صدقة إن كان معطيا، أو ما يأخذ إن كان آخذا. و الإمكان للممكن صفة افتقارية و ذلة و حاجة و حقارة. فيستحقر صاحب هذا المشهد كل شيء، سواء كان ذلك من أنفس الأشياء في العبادة، أو غير نفيس.