فأقام لهم صورة الغيرة على جناب الحق و الإيثار لعظمته، و ذهلوا عن تعظيمه. إذ لو وقفوا مع ما ينبغي له من العظمة لوافقوه و ما وافقوه، و إن كانوا قصدوا الخير. فقالوا: " أَ تَجْعَلُ فِيهٰا مَنْ يُفْسِدُ فِيهٰا وَ يَسْفِكُ اَلدِّمٰاءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ -أي فنحن أولى من هذا! فرجحوا نظرهم على علم اللّٰه في خلقه. لذلك قال لهم: إِنِّي أَعْلَمُ مٰا لاٰ تَعْلَمُونَ -فوصفهم بنفي العلم الذي علم الحق من هذا الخليفة مما لم يعلموا، و أثنوا على أنفسهم. فمسالتهم جمعت ذلك: حيث أثنوا على أنفسهم، و عدلوها، و جرحوا غيرهم. و ما ردوا العلم في ذلك إلى اللّٰه. - فهذا من بخل الطبع بالمرتبة.
(الملائكة تحت حكم الطبيعة)
و هذا يؤيد أن الملائكة-كما ذهبنا إليه-تحت حكم الطبيعة،
و أن لها أثرا فيهم. قال تعالى: مٰا كٰانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ اَلْأَعْلىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ -و الخصام من حكمها (أي الطبيعة) . و قد ورد"اختصام ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب في الشخص الذي مات بين القريتين".
فوصفهم (الشرع"بالخصام. -و لو لا أن مرتبتها (أي الطبيعة) دون النفس و فوق الهباء، لسرى حكمها. و من أراد أن يقف على أصل هذا الشأن، فلينظر إلى تضاد الأسماء الإلهية، فمن هناك ظهرت هذه الحقيقة في الجميع.
فهم (-الملائكة) مشاركون لنا في حكم الطبيعة، و من حكمها البخل و الشح فيمن تركب منها. و هو من الاسم"المانع"في"الأسماء".
و سببه فينا أن الفقر و الحاجة ذاتى لنا و لكل ممكن. و لهذا افتقرت الممكنات إلى"المرجح"لإمكانها. فالمكون عن"الطبيعة"شحيح بخيل بالذات، كريم بالعرض. فما فرض اللّٰه الزكاة، و أوجبها، و طهر بها النفوس من البخل و الشح إلا لهذا الأمر المحقق. فالفرض منها أشد على النفس من"صدقة التطوع"-للجبر الذي في الفرض، و الاختيار الذي في التطوع. فإنه (أي الإنسان) في الفرض (هو) عبد بحكم سيد، و في الاختيار (هو) لنفسه: إن شاء (فعل) ، و إن شاء (لم يفعل) .