و في حق الحق هذه النسبة (أي"الصدقة") (هي) حقيقة ما ورد من"التردد الإلهي في قبضه (-تعالى! -) نسمة المؤمن، و لا بد له من اللقاء"-يريد قبض روحه مع التردد، لما سبق في العلم من ذلك.
فهو (أي التردد) في حق الحق"كأنه"و في حق العبد هو"لا كأنه"- أدبا إلهيا. و دليل العقل يرمى مثل هذا، لقصوره و عدم معرفته بما يستحقه الإله المعبود. و الحق عرف بهذه الحقيقة، التي هو عليها، عباده. فقبلتها العقول السليمة من حكم أفكارها عليها بصفة القبول التي هي عليه، حين ردتها العقول التي هي بحكم أفكارها. و هذه هي المعرفة التي طلب منا الشارع أن نعرف بها ربنا و نصفه بها، لا المعرفة التي أثبتناه بها، فان تلك مما يستقل العقل بإدراكها. و هي، بالنسبة إلى هذه المعرفة، نازلة: فإنها ثبتت بحكم العقل. و هذه ثبتت بالأخبار الإلهي. و هو (-سبحانه! -) بكل وجه أعلم بنفسه منا به.
(الكرم و الجود)
و"الكرم"(هو) العطاء بعد السؤال، حقا و خلقا.
و"الجود"(هو) العطاء قبل السؤال، حقا لا خلقا. فإذا نسب (الجود) إلى الخلق، فمن حيث إنه ما طلب منه الحق هذا الأمر الذي عينه الخلق على التعيين، و إنما طلب الحق منه أن يتطوع بصدقة. و ما عين فإذا عين العبد ثوبا أو درهما أو دينارا، أو ما كان، من غير أن يسأل في ذلك، -فهو"الجود"خلقا.
و إنما قلنا: "لا خلقا"في ذلك، لأنه لا يعطى (العبد) على جهة القربة إلا بتعريف إلهى. و لهذا قلنا: "حقا لا خلقا"و إذا لم يعتبر الشرع في ذلك، فالعطاء قبل السؤال، لا على جهة القربة، موجود في العالم بلا شك. و لكن غرض الصوفي أن لا يتصرف إلا في أمر يكون قربة و لا بد. فلا مندوحة له عن مراعاة حكم الشارع في ذلك.