مصليا تماما غير قصر. -و لهذا قال: بُكْرَةً وَ أَصِيلاً يعنى صلاة الغداة و العشي. و كذلك قال: فَسُبْحٰانَ اَللّٰهِ حِينَ تُمْسُونَ وَ حِينَ تُصْبِحُونَ . . . وَ عَشِيًّا وَ حِينَ تُظْهِرُونَ -فجمع الصلوات الخمس في هذه الآية، - وَ لَهُ اَلْحَمْدُ -أي الثناء المطلق، - فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ .
فاما تقدير الكلام، فلما قال هذا، و أمر بالذكر و الصلاة، قال: هُوَ اَلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ -فأخبر أنه يصلى علينا. فالمفهوم من هذا أمران: الأمر الواحد أنه يصلى علينا. فينبغي لنا أن نذكره (-سبحانه! -) بالمدح و الثناء، و نصلي له بكرة و أصيلا.
فان في ذلك غذاء العقول و الأرواح، كما أن غذاء الجسم في هذه الأوقات في قوله: لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهٰا بُكْرَةً وَ عَشِيًّا -و رزق كل مخلوق بحسب ما تطلبه حقيقته. فالأرواح غذاؤها في التسبيح، فقيل لها: "سبحه"- أي صل له في هذه الأوقات، و اذكره على كل حال. فقيد"التسبيح" و ما قيد"الذكر"بوقت. فعلمنا أن التسبيح ذكر خاص، مربوط بهذه الأوقات.
و الأمر الآخر، أنكم إذا صليتم و ذكرتم اللّٰه فإنه يصلى عليكم فصلاتنا و ذكرنا له-سبحانه! -بين صلاتين، (جميع ذلك) من اللّٰه تعالى: صلى علينا، فصلينا له، فصلى علينا. فمن صلاته الأولى علينا، صلينا له، و من صلاته الثانية علينا، كانت السعادة لنا بان جنينا ثمرة صلاتنا له و ذكرنا. - ثم قال: وَ مَلاٰئِكَتُهُ أيضا تصلى عليكم بما قد شرع لها من ذلك. و هو قوله: رَبَّنٰا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تٰابُوا وَ اِتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَ قِهِمْ عَذٰابَ اَلْجَحِيمِ. رَبَّنٰا وَ أَدْخِلْهُمْ جَنّٰاتِ عَدْنٍ اَلَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَ مَنْ صَلَحَ مِنْ آبٰائِهِمْ وَ أَزْوٰاجِهِمْ وَ ذُرِّيّٰاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ.
وَ قِهِمُ اَلسَّيِّئٰاتِ وَ مَنْ تَقِ اَلسَّيِّئٰاتِ يَوْمَئِذٍ -يعنى يوم القيامة، و المعصومين من وقوع السيئات منهم، - فَقَدْ رَحِمْتَهُ. وَ ذٰلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ -فهذا كله قول الملائكة. فصلاة الملائكة علينا (هي) كصلاتنا على الجنازة سواء، لمن عقل!
ثم قال: لِيُخْرِجَكُمْ -بلام السبب، - مِنَ اَلظُّلُمٰاتِ إِلَى اَلنُّورِ -ابتداء منه و منة، و بدعاء الملائكة، و هو هذا الذي ذكرناه. - و لذا قال: "و ملائكته"و هو قولهم: وَ قِهِمُ اَلسَّيِّئٰاتِ -فان السيئات ظلمات. فمنهم من يخرجهم من ظلمات الجهل إلى نور العلم، و من ظلمات المخالفة إلى نور الموافقة، و من ظلمات الضلال إلى نور الهدى، و من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد، و من ظلمات الحجاب إلى نور التجلي، و من ظلمات الشقاء و التعب إلى نور السعادة و الراحة.