فإنه قد أرضى الرب-سبحانه-من كونه مؤمنا بأنها معصية و الايمان، في حكمه، أقوى من الفعل المعين المسمى معصية. فما يمنعه أن يحكم له بجواز"القصر"و هو مسافر، بإيمانه بها، في طاعة أيضا؟ "و الحسنة بعشر، و السيئة واحدة". و إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صٰابِرُونَ، يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ . فكيف إن كانوا مائتين و المعصية في عشرين؟ و الآيات التي احتج بها: من تعيين الصراط و الحجة، إنما ذلك فيمن ليس بمؤمن. و من ليس بمؤمن فما هو مخاطب بتمام و لا قصر، لأن الصلاة لا تجب عليه إلا بعد الايمان. و إن كان مخاطبا بالجملة. -فمذهبنا أولى في هذه المسالة.
وصل في فصل الموضع الرابع من الخمسة المواضع و هو الموضع الذي منه يبدأ المسافر بالتقصير
فقال بعض العلماء: لا يقصر حتى يخرج من بيوت القرية، و لا يتم حتى يدخل أول بيوتها. -و من قائل: لا يقصر، إذا كانت قرية جامعة، حتى يكون منها بنحو ثلاثة أميال.
(حكم استيطان روح الإنسان في الجسم و سفره عنه)
وصل: الاعتبار في ذلك. -الإنسان جسم و روح. فما دام روح الإنسان مستوطنا في جسمه و عالم حسه، يجرى بحكم طبيعته، فهو مقيم غير مسافر، فيتم صلاته. فإذا سافر الروح عن جسمه، و تركه وراء، بحال فناء، فقد غاب عنه في أول
قدم، و إذا غاب عنه، فسنته"القصر"في الصلاة. و معنى"القصر" هنا، ما يختص به الروح من حكم الصلاة من كونه روحا، لا من كونه مدبرا لجسم. فإنه. في هذه الحال، غائب عن جسمه، فلا يبقى عليه من حكم الصلاة إلا ما يختص به.