(الانتباه قبل المناجاة أولى من الانتباه في عين المناجاة)
فمن رأى أن الانتباه أصل في الطريق، كالهروى و غيره قال: بوجوب الخطبة، كالوضوء للصلاة منبه. و من رأى أن المقصود هو الصلاة، و أن الإقامة فيها هو عين الانتباه لمن كان خفيف النوم، -جعل الخطبة سنة راتبة، ينبغي أن تفعل و إن لم ينص (الرسول) عليها، و لكن ثابر عليها. فهكذا الانتباه، قبل المناجاة للمناجاة، أولى من أن يكون الانتباه في عين المناجاة. فربما أثرت في مناجاته نومته المتقدمة.
قال تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلاٰةِ مِنْ يَوْمِ اَلْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اَللّٰهِ -فيحتمل أن يريد هنا ب"الذكر"الخطبة، فإنه مامور بالإنصات في حال الخطبة، ليسمع ما يقول (الخطيب) . - أ لا ترى ما قيل في حق المؤذنين: "إنهم أطول الناس أعناقا"-و العنق
مجرى النفس و امتداده، للاسماع برفع الصوت به، كنى عنه ب"طول العنق". و لما أشهدنى الحق الأذان بنفسي، رأيت لكل كلمة من الخير، المقيد بالحس، (على) مد البصر، في كل كلمة. فالمؤذنون أفضل جماعة دعت إلى اللّٰه، عن أمر اللّٰه و رسوله. و لو لا رفق الرسول- ص-بأمته لأذن. فإنه لو أذن و تخلف عن إجابته من سمعه، إذا قال: "حى على الصلاة! "كان عاصيا. -"فكان بالمؤمنين رءوفا رحيما! " و إنما قلنا: إنه يريد، هنا، ب"السعي إلى ذكر اللّٰه"الخطبة، لأن الصلاة، بذاتها، "تنهى عن الفحشاء"-و هو ما ظهر من المخالفة، "و المنكر"-و هو ما تنكره القلوب، "و لذكر اللّٰه"فيها"أكبر" ما فيها. يعنى القول فيها أشرف أفعال المكلف في الصلاة، فإنها تشتمل على أفعال و أقوال. -و قد روينا عن بعض العلماء أنه تأول"ذكر اللّٰه"، الذي يسعى إليه، هو الخطبة.
وصل في فصل اختلاف القائلين بوجوب الخطبة في المجزي منها ما حده؟
فمنهم من قال: أدنى ما ينطلق عليه اسم خطبة شرعية. -و من قائل: لا بد من خطبتين. -و من قائل: أقل ما ينطلق عليه اسم خطبة لغة في لسان العرب. -و القائل بالخطبتين يرى أنه لا بد أن يجلس الخطيب بينهما، يعنى بين الخطبتين، و يكون في كل واحدة منهما قائما، يحمد اللّٰه في أولها، و يصلى على النبي-ص-، و يوصى بتقوى اللّٰه، و يقرأ شيئا من القرآن في (الخطبة) الأولى، و يدعو في (الخطبة) الثانية.