ثم نرجع إلى اعتبار ما كنا بصدده، فنقول: -إن الصلاة دخول على الحق. و جاء في الخبر الصحيح: "إن الصلاة نور". و الإنسان ذو بصر في باطنه كما هو في ظاهره. فلا بد له من الكشف في صلاته. فمن جملة ما يكشفه في صلاته، كونه مجبورا في اختياره الذي ينسيه إليه. فشرع (الحق) له في هذا الموطن، و في العبادات كلها التحديد في الأشياء، حتى يكون في تصرفاته بحكم الاضطرار. و هو أصل يشمل كل موجود. لا أحاشى موجودا من موجود. (حتى الموجود الحق الأول. . .) -"لمن كان ذا بصر و ألقى السمع و هو شهيد! "حتى في حكم المباح هو فيه غير مختار. لأنه من المحال أن يحكم عليه بحكم غير الاباحة: من وجوب، أو ندب، أو حظر، أو كراهة.
(استقبال عين"الكعبة"و استقبال جهتها)
فلهذا شرع له (أي للمصلي) استقبال"البيت"، إذا أبصره، حين صلاته، و استقبال جهته إذا غاب عنه. و فرضه في اجتهاده، بالغيبة، إصابة الجهة
لا إصابة العين، و ذلك لو كان فرضه إصابة العين. فان العبد مامور بان يستقبل ربه بقلبه في صلاته، بل في جميع حركاته و سكناته لا يرى إلا اللّٰه. و قد علمنا أن ذات الحق و عينه يستحيل على المخلوق معرفتها.
فمن المحال استقبال عين ذاته بقلبه. أي من المحال أن يعلم العاقل ربه من حيث عينه، و إنما يعلمه من حيث جهة الممكن: في افتقاره إليه، و تميزه عنه بانه لا يتصف بصفات المحدثات على الوجه الذي يتصف بها المحدث الممكن، لأنه"ليس كمثله شيء". فلا يعرفه (العاقل) إلا بالسلوب. -و هذا (هو) سبب قولنا بالجهة، لا بالعين.