و كذلك قوله: "أشهد أن محمدا رسول اللّٰه"-و هو أنه لما شهد (المؤذن) بالتوحيد بما أعطاه الدليل، شهد به علما لا على طريق القربة. لأن الإنسان، من حيث عقله، لا يعلم أن التلفظ بذلك، و أن النظر في معرفة ذلك، يقرب من اللّٰه. و إنما حظه أن يعلم أن نفسه تشرف بصفة العلم على من يجهل ذلك، و أن التصريح به، و بكل دليل على مثل هذا العلم، على جهة تعليم من لا يعلم و إرداع المعاند، تشريف لهذا النفس على نفس من ليس له ذلك. لأنه لا حكم للعقل في إيجاد شيء قربة إلى اللّٰه.
فجاء الرسول من عند اللّٰه، فأخبره أن يقول ذلك، و أن ينظر في ذلك،
إذ يخفيه في نفسه و يسره، و في التعليم و الارداع للغير إذا أعلن به، -أن يكون ذلك على طريق القربة إلى اللّٰه: فيكون، مع كونه علما، عبادة. - فيقول العالم المؤمن، إذا أذن، أو قال مثل ما يقول المؤذن"أشهد أن محمدا رسول اللّٰه"-علما و عبادة، و يقولها العامي تقليدا و تعبدا.
و (أما) التثنية في هذه"الشهادة الرسالية"و التربيع، فالحكم فيها على حكم شهادة التوحيد سواء، في المراتب التي ذكرناها سواء. فان ثلث (المؤذن) ، كأذان البصريين الأربع الكلمات على نسق واحد في كل مرة، فهو أن يقولها في المرة الأولى علما، و في المرة الثانية تعليما لأنه معلن، و في المرة الثالثة عبادة. فهي، كلها، علم و تعليم و عبادة. -فافهم! -. و ما خالف البصريون الكوفيين و الحجازيين و المدنيين إلا في هذا، أعنى"التثليث"و النسق. و كل سنة. و الإنسان مخير:
يؤذن باى صفة شاء من ذلك كله. و هو مذهبنا. كالروايات المختلفة في "صلاة الكسوف"، و غير ذلك.