فكان الحق ظهر في عالم الشهادة، بصورة التالي لكلامه. -فافهم! و جعل (-سبحانه! -) عالم الغيب، و هو عالم العقل. و هو بمنزلة صلاة العشاء. و صلاة الليل من مغيب الشفق إلى طلوع الفجر. فيناجى المصلى ربه، في تلك الصلاة بما يعطيه عالم الغيب و العقل و الفكر من الأدلة و البراهين عليه-سبحانه و تعالى! -. و هو خصوص دلالة لخصوص معرفة، يعرفها أهل الليل. و هي صلاة المحبين، أهل الأسرار و غوامض العلوم، المكتنفين بالحجب.
فيعطيهم (اللّٰه) من العلوم ما يليق بهذا الوقت، و في هذا العالم. و هو وقت معارج الأنبياء و الرسل و الأرواح البشرية، لرؤية الآيات الإلهية المثالية، و التقريب
الروحاني. و هو وقت نزول الحق من مقام الاستواء إلى السماء الأقرب إلينا، للمستغفرين و التائبين و السائلين و الداعين. فهو وقت شريف. -"و من صلى هذه الصلاة في جماعة فكأنما قام نصف ليلة"-و في هذا الحديث رائحة لمن يقول: إن آخر وقتها إلى نصف الليل.
و جعل-سبحانه! -عالم التخيل و البرزخ، الذي هو تنزل المعاني في الصور الحسية. فليست (المعاني و قد تنزلت إلى عالم التخيل) من عالم الغيب، لما لبسته من الصور الحسية، و ليست من عالم الشهادة، لأنها (في الأصل) معان مجردة، و أن ظهورها بتلك الصور أمر عارض، عرض للمدرك لها، لا للمعنى في نفسه. "كالعلم في صورة اللبن"و"الدين في صورة القيد"و"الايمان في صورة العروة". - و هو، من أوقات الصلوات، وقت المغرب، و وقت صلاة الصبح.
فإنهما وقتان ما هما من الليل و لا من النهار. فهما برزخان بينهما من الطرفين، لكون زمان الليل و النهار دوريا. و لهذا قال تعالى: يُكَوِّرُ اَللَّيْلَ عَلَى اَلنَّهٰارِ وَ يُكَوِّرُ اَلنَّهٰارَ عَلَى اَللَّيْلِ -من كور
العمامة. فيخفى كل واحد منهما بظهور الآخر. كما قال: يُغْشِي اَللَّيْلَ اَلنَّهٰارَ -أي يغطيه. و كذلك النهار يغشى الليل. -فيناجى المصلى ربه، في هذا الوقت، بما يعطيه عالم البرازخ من الدلالات على اللّٰه، في التجليات و تنوعاتها، و التحول في الصور، كما وردت الأخبار الصحاح.