و لم يقل ذلك في طهارة الماء. فإنه أحال على الماء المطلق، لا المضاف. فان الماء المضاف مقيد بما أضيف إليه عند العرب. فإذا قلت للعربي: أعطنى ماء،
جاء إليك بالماء الذي هو غير مضاف. ما تفهم العرب منه غير ذلك. و ما أرسل رسول، و لا أنزل كتاب إلا بلسان قومه. يقول رسول اللّٰه-ص ! -: "إنما أنزل القرآن بلساني"-(ب) لسان عربى مبين! يقول تعالى: إِنّٰا جَعَلْنٰاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ .
فلهذا لم يقل (القرآن) بالقصد في الماء، لأنه سر الحياة. فيعطى (الماء) الحياة بذاته، سواء قصد أم لم يقصد. بخلاف التراب. فإنه إن لم يقصد (المتيمم) "و الصعيد الطيب"، فليس بنافع. لأنه (أي التراب) جسد كثيف، لا يسرى. فروحه القصد. فان القصد معنى روحانى. فافتقر "المتيمم"للقصد الخاص، في التراب أو الأرض، بخلاف أيضا. و لم يفتقر "المتوضئ"بالماء، بخلاف. -فقال (تعالى) : "اغسلوا"، و لم يقل:
"تيمموا ماء طيبا".
فان قالوا: إنما الأعمال بالنيات، و هي القصد، و الوضوء عمل، قلنا: سلمنا ما تقول، و نحن نقول به. و لكن"النية"، هنا، متعلقها العمل، لا الماء. و الماء ما هو العمل. و القصد، هنالك، للصعيد. فيفتقر "الوضوء"، بهذا الحديث، للنية، من حيث ما هو"عمل"، لا من حيث ما هو عمل بماء. فالماء، هنا، تابع للعمل. و العمل هو المقصود بالنية.
و هنالك، القصد للصعيد الطيب، و العمل، به، تبع يحتاج إلى نية أخرى، عند الشروع في الفعل. كما يفتقر العمل بالماء، في الوضوء و الغسل، و جميع الأعمال المشروعة، إلى الإخلاص المأمور به: و هو"النية"، بخلاف.