فيقول لهم: "هل بقي لكم شيء بعد هذا؟ "فيقولون: "يا ربنا! و أي شيء بقي، و قد نجيتنا من النار، و أدخلتنا دار رضوانك، و أنزلتنا بجوارك، و خلعت علينا ملابس كرمك، و أريتنا وجهك؟ " فيقول الحق-جل جلاله-: "بقي لكم! "فيقولون: "يا ربنا، و ما ذاك الذي بقي؟ "فيقول: "دوام رضائى عنكم، فلا أسخط عليكم أبدا".
فما أحلاها من كلمة، و ما ألذها من بشرى! فبدأ-سبحانه- بالكلام خلقنا، فقال: "كن! "فأول شيء كان لنا منه السماع. فختم بما به بدأ. فقال هذه المقالة. فختم بالسماع. و هو هذه البشرى. - و يتفاضل الناس في رؤيته-سبحانه-و يتفاوتون فيها تفاوتا عظيما على قدر علمهم. فمنهم، و منهم.
ثم يقول-سبحانه-لملائكته: "ردوهم إلى قصورهم! فلا يهتدون لأمرين: لما طرأ عليهم من سكر الرؤية، و لما زادهم من الخير في طريقهم. فلم يعرفوها. فلو لا أن الملائكة تدل بهم ما عرفوا منازلهم. - فإذا وصلوا إلى منازلهم، تلقاهم أهلهم، من الحور و الولدان. فيرون جميع ملكهم قد اكتسى بهاء و جمالا و نورا من وجوههم، أفاضوه إفاضة ذاتية على ملكهم. فيقولون لهم: "لقد زدتم نورا و بهاء و جمالا، ما تركناكم عليه! "فيقول لهم أهلهم: "و كذاكم أنتم، قد زدتم من البهاء و الجمال ما لم يكن فيكم عند مفارقتكم إيانا! "فينعم بعضهم ببعض.
(الراحة المطلقة و الرحمة المطلقة في أهل الجنة و في أهل النار)
و اعلم أن الراحة و الرحمة مطلقة في الجنة كلها. و إن كانت الرحمة ليست بامر وجودى، و إنما هي عبارة عن الأمر الذي يلتذ و يتنعم به المرحوم. و ذلك هو الأمر الوجودي فكل من في الجنة متنعم. و كل ما فيها نعيم. فحركتهم ما فيها نصب و أعمالهم ما فيها لغوب. إلا راحة النوم ما عندهم: لأنهم ما ينامون. فما عندهم من نعيم النوم شيء. و نعيم النوم هو الذي يتنعم به أهل النار خاصة. فراحة النوم، محلها جهنم.
و من رحمة اللّٰه باهل النار، في أيام عذابهم، خمود النار عنهم، ثم تسعر بعد ذلك عليهم فيخف، بذلك، من آلام العذاب على قدر ما خبت النار. قال-تعالى-: كُلَّمٰا خَبَتْ زِدْنٰاهُمْ سَعِيراً - و هذا يدلك أن النار محسوسة. بلا شك. فان النار ما تتصف بهذا الوصف، إلا من كون قيامها بالأجسام. لأن حقيقة النار لا تقبل هذا الوصف من حيث ذاتها، و لا الزيادة، و لا النقص. و إنما (الذي يقبل هذا الوصف) هو الجسم المحرق بالنار، (و) هو الذي يسجر بالنارية.