من هذه النشاة الدنيا، و هو أصلها. فعليه تركب النشاة الآخرة. -فاما أبو حامد، فرأى أن"العجب"، المذكور في الخبر، أنه"النفس"، و عليها تنشأ النشاة الآخرة. و قال غيره، مثل أبى زيد الرقراقى، هو جوهر فرد، يبقى من هذه النشاة الدنيا، لا يتغير، عليه تنشأ النشاة الأخرى، و كل ذلك محتمل، و لا يقدح في شيء من الأصول. بل كلها توجيهات معقولة، يحتمل كل توجيه منها أن يكون مقصودا. -و الذي وقع لي به الكشف، الذي لا أشك فيه، أن المراد ب"عجب الذنب"هو ما تقوم عليه النشاة، و هو لا يبلى، أي لا يقبل البلى.
(النفختان و اشتعال الصور البرزخية بارواحها)
فإذا أنشا اللّٰه النشاة الآخرة، و سواها، و عدلها، و إن كانت هي الجواهر بأعيانها، فان الذوات الخارجة إلى الوجود من العدم، لا تنعدم أعيانها بعد وجودها، و لكن تختلف فيها الصور بالامتزاجات- و الامتزاجات، التي تعطى هذه الصور، (هي) أعراض تعرض لها، بتقدير
"العزيز العليم"-، (نقول:) فإذا تهيأت هذه الصور، كانت كالحشيش المحرق-و هو الاستعداد لقبول الأرواح، كاستعداد الحشيش، بالنارية التي فيه، لقبول الاشتعال، -و الصور البرزخية، كالسرج، مشتعلة بالأرواح التي فيها، -فينفخ إسرافيل"نفخة واحدة"، فتمر تلك النفخة على تلك الصور البرزخية فتطفئها، و تمر النفخة التي تليها-و هي"الأخرى"- إلى الصورة المستعدة للاشتعال-و هي النشاة الأخرى-فتشتعل (الصور البرزخية) بارواحها، "فإذا هم قيام ينظرون".
فتقوم تلك الصور (البرزخية) أحياء، ناطقة بما ينطقها اللّٰه به. فمن ناطق بالحمد لله. و من ناطق يقول: "من بعثنا من مرقدنا"؟ و من ناطق يقول: "سبحان من أحيانا بعد ما أماتنا و إليه النشور".
و كل ناطق ينطق بحسب علمه، و ما كان عليه. و نسى حاله في"البرزخ".
و يتخيل أن ذلك، الذي كان فيه، منام، كما تخيله المستيقظ.