و منهم من قال بالخبر المروي: "إن السماء تمطر مطرا، شبه المنى، تمخض به الأرض"، فتنشا منه النشاة الآخرة. -و أما قوله-تعالى- عندنا: كَمٰا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (ف) هو قوله: وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ اَلنَّشْأَةَ اَلْأُولىٰ فَلَوْ لاٰ تَذَكَّرُونَ و قوله: كَمٰا بَدَأْنٰا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنٰا .
و قد علمنا أن النشاة الأولى أوجدها اللّٰه تعالى على غير مثال سبق، فهكذا النشاة الآخرة يوجدها اللّٰه تعالى على غير مثال سبق، مع كونها محسوسة
بلا شك. و قد ذكر رسول اللّٰه-ص-من صفة نشاة أهل الجنة و النار، ما يخالف ما هي عليه هذه النشاة الدنيا. فعلمنا أن ذلك راجع إلى عدم مثال سابق، ينشئوها عليه. و هو أعظم في القدرة.
و أما قوله (-تعالى-) : وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ فلا يقدح فيما قلنا. فإنه لو كانت النشاة الأولى عن اختراع: فكر، و تدبر، و نظر، إلى أن خلق أمرا، -فكانت إعادته إلى أن يخلق خلقا آخر، مما يقارب ذلك، و يزيد عليه، أقرب للاختراع و الاستحضار، في حق من يستفيد الأمور بفكره. و اللّٰه منزه عن ذلك، و متعال عنه علوا كبيرا. فهو الذي يفيد العالم و لا يستفيد، و لا يتجدد له علم بشيء، بل هو عالم بتفصيل ما لا يتناهى، بعلم كلى. فعلم التفصيل في عين الإجمال. و هكذا ينبغي لجلاله أن يكون.
(عجب الذنب ما تقوم عليه النشاة الانسانية و هو لا يبلى)
فينشئ اللّٰه النشاة الآخرة على"عجب الذنب"، الذي يبقى