فأثبتوا المعنوية، و لم يثبتوا المحسوسة. و نحن نقول بما قاله هذا المخالف، من إثبات النشاة الروحانية-المعنوية، -لا بما خالف فيه، - و إن عين موت الإنسان هو قيامته، لكن"القيامة الصغرى"، فان النبي -ص-يقول: "من مات فقد قامت قيامته"، -و إن
"الحشر"جمع النفوس الجزئية إلى"النفس الكلية". هذا، كله، أقول به كما يقول المخالف. و إلى هنا ينتهى حديثه في القيامة.
و يختلف، في ذلك بعينه: من يقول بالتناسخ، و من لا يقول به. و كلهم عقلاء، أصحاب نظر. و يحتجون، في ذلك كله، بظواهر آيات من الكتاب، و أخبار من السنة، إن أوردناها و تكلمنا عليها، طال الباب في الخوض معهم، في تحقيق ما قالوه. و ما منهم، من نحل نحلة في ذلك، إلا و له وجه حق صحيح، و أن القائل به فهم بعض مراد الشارع، و نقصه علم ما فهمه غيره من إثبات"الحشر"المحسوس، في الأجسام المحسوسة، و (إثبات) الميزان المحسوس، و الصراط المحسوس، و النار و الجنة المحسوستين. كل ذلك حق، و أعظم في القدرة.
(علم الطبيعة لا ينفى بقاء الأجسام الطبيعية إلى غير مدة متناهية)
و في علم الطبيعة، بقاء الأجسام الطبيعية في الدارين إلى غير مدة متناهية، بل مستمرة الوجود. و إن الناس ما عرفوا من أمر الطبيعة إلا قدر ما أطلعهم الحق عليه من ذلك، مما ظهر لهم في مدد حركات الأفلاك
و الكواكب السبعة. و لهذا جعلوا العمر الطبيعي مائة و عشرين سنة، الذي اقتضاه هذا الحكم. فإذا زاد الإنسان على هذه المدة، وقع في"العمر المجهول" و إن كان من الطبيعة، و لم يخرج عنها. و لكن ليس في قوة علمه أن يقطع عليه بوقت مخصوص، فكما زاد على العمر الطبيعي سنة و أكثر، جاز أن يزيد على ذلك آلافا من السنين، و جاز أن يمتد عمره دائما.