فأخبر أن شكله شكل القرن. فوصف بالسعة و الضيق. فان القرن واسع ضيق. و هو، عندنا، على خلاف ما يتخيله أهل النظر، في الفرق بين ما هو أعلى القرن و أسفله. و نذكره-إن شاء اللّٰه! -بعد هذا الباب.
فاعلم أن سعة هذا القرن في غاية السعة. لا شيء من الأكوان أوسع منه. و ذلك أنه يحكم، بحقيقته، على كل شيء، و على ما ليس بشيء.
و يتصور العدم المحض، و المحال، و الواجب، و الإمكان. و يجعل الوجود عدما، و العدم، وجودا. و فيه يقول النبي-ص-أي من حضرة هذا: "اعبد اللّٰه كأنك تراه"، و"اللّٰه في قبلة المصلى"-أي تخيله في قبلتك، و أنت تواجهه، لتراقبه، و تستحي منه، و تلزم الأدب معه في صلاتك. فإنك إن لم تفعل هذا، أسأت الأدب.
(الخيال أوسع الأشياء و أضيقها)
فلو لا أن الشارع علم أن عندك حقيقة تسمى"الخيال"، لها هذا الحكم، ما قال لك: "كأنك تراه، ببصرك. فان الدليل العقلي يمنع من"كان"، فإنه يحيل، بدليله، التشبيه. و البصر ما أدرك شيئا سوى الجدار. فعلمنا أن الشارع خاطبك أن تتخيل أنك تواجه الحق في قبلتك، المشروع لك استقبالها. و اللّٰه يقول: فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللّٰهِ -
و وجه الشيء، حقيقته و عينه. فقد صور"الخيال"من تستحيل عليه، بالدليل العقلي، الصورة و التصور. فلهذا كان واسعا.