(عين الحس و عين الخيال)
و من الناس من يدرك هذا المتخيل بعين الحس، و من الناس من يدركه بعين الخيال. و أعنى في حال اليقظة. و أما في النوم، فبعين الخيال قطعا. فإذا أراد الإنسان أن يفرق في حال يقظته حيث كان، في الدنيا أو يوم القيامة، فلينظر الى المتخيل، و ليقيده بنظره. فان اختلفت عليه أكوان المنظور إليه لاختلافه في التكوينات، و هو لا ينكر أنه ذلك بعينه، و لا يقيده النظر عن اختلاف التكوينات فيه، كالناظر إلى الحرباء في اختلاف الألوان عليها، -فذلك عين الخيال بلا شك، ما هو عين الحس. فأدركت الخيال بعين الخيال، لا بعين الحس.
و قليل من يتفطن إلى هذا ممن يدعى كشف الأرواح النارية و النورية، إذا تمثلت لعينه صورا مدركة، لا يدرى بما أدركها: هل بعين
الخيال، أو بعين الحس؟ و كلاهما-أعنى الإدراكين-بحاسة العين، فإنها (-حاسة العين) تعطى الإدراك بعين الخيال و بعين الحس.
و هو علم دقيق، أعنى العلم بالفصل بين العينين، و بين حاسة العين و عين الحس. و إذا أدركت العين المتخيل، و لم تغفل عنه، و رأته لا تختلف عليه التكوينات، و لا رأته في مواضع مختلفات معا، في حال واحدة، و الذات واحدة لا يشك فيها، و لا انتقلت و لا تحولت في أكوان مختلفة، - فيعلم أنها محسوسة لا متخيلة، و أنه أدركها بعين الحس لا بعين الخيال.
و من هنا تعرف إدراك الإنسان، في المنام، ربه-تعالى- و هو منزه عن الصورة و المثال-و ضبط الإدراك إياه، و تقييده. و من هنا تعرف ما ورد في الخبر الصحيح، من كون الباري"يتجلى في أدنى صورة من التي رأوه فيها"، و في تحوله في"صورة يعرفونها"، و قد كانوا أنكروه، و تعوذوا منه. فتعلم باى عين تراه. -فقد أعلمتك أن الخيال يدرك بنفسه-