فان الذي يرمى في النار هو متنفس. و لكن لا يخلو من أحد الوجهين: إما أنه لا يتنفس في النار، فتكون حالته حالة المشنوق الذي يخنق بالحبل، فيقتله نفسه، و إما أن يتنفس، فيجذب، بالقوة الجاذبة، هواء ناريا محرقا، إذا وصل إلى قلبه أحرقه. فلهذا قلنا، في سبب الحياة، هذه الأمور كلها.
فعذاب إبليس، في جهنم، بما فيها من الزمهرير: فإنه يقابل النار، الذي هو أصل نشاة إبليس. فيكون عذابه بالزمهرير، و بما هو نار مركبة، ففيه من ركن الهواء و الماء و التراب. فلا بد أن يتعذب بالنار على قدر مخصوص. و عامة عذابه بما يناقض ما هو الغالب عليه في أصل خلقه. -و النار ناران: نار حسية، و هي المسلطة على إحساسه، و حيوانيته، و ظاهر جسمه و باطنه، و نار معنوية، و هي"التي تطلع على الأفئدة"، و بها يتعذب روحه المدبر لهيكله، الذي أمر فعصى. فمخالفته عذبته. و هي عين جهله بمن استكبر عليه.
(يوم التغابن: يوم عذاب النفوس)
فلا عذاب، على الأرواح، أشد من الجهل، فإنه غبن كله.
و لهذا سمى"يوم التغابن"-يريد يوم عذاب النفوس. فيقول: "يا ويلتا على ما فرطت. "و هو"يوم الحسرة"يقول: يوم الكشف. من"حسرت
عن الشيء"، إذا كشفت عنه. فكأنه يقول: "يا ليتني حسرت عن هذا الأمر في الدنيا، فأكون على بصيرة من أمرى. "فيغتبن في نفسه.