و لو كشف اللّٰه عن أبصار الخلق، اليوم، لرأوه (-البحر) يتأجج نارا. و لكن اللّٰه يظهر ما يشاء، و يخفى ما يشاء، لنعلم"أن اللّٰه على كل شيء قدير، و أن اللّٰه قد أحاط بكل شيء علما". و أكثر ما يجرى هذا لأهل الورع: فيرى الطعام الحلال، صاحب الورع المحفوظ، خنزيرا أو عذرة، و الشراب، خمرا. لا يشك فيما يراه. و يراه جليسه قرصة خبز طيبة، و يرى الشراب ماء عذبا. -فيا ليت شعرى! من هو صاحب الحس الصحيح، من صاحب الخيال؟ هل الذي أدرك الحكم الشرعي صورة، أو هل الذي أدرك المحسوس، في العادة، على حاله؟ .
(مذهب المعتزلة في القبح (-الشر) و الحسن (الخير)
و هذا مما يقوى مذهب المعتزلة في أن القبيح قبيح لنفسه، و الحسن. حسن لنفسه، و أن الإدراك الصحيح إنما هو لمن أدرك الشراب الحرام خمرا. فلو لا أنه قبيح لنفسه ما صح هذا الكشف لصاحبه. و لو كان
فعله عين تعلق الخطاب بالحرمة و القبح، ما ظهر ذلك الطعام خنزيرا. فان الفعل ما وقع من المكلف، فان اللّٰه أظهر له صورته، و أنه قبيح: حتى لا يقدم على أكله. و هذا بعينه يتصور فيمن يدركه طعاما، على حاله، في العادة.
و لكن هذا أحق في الشرع.
فيعلم قطعا أن الذي يراه طعاما، على عادته، قد حيل بينه و بين حقيقة حكم الشرع فيه بالقبح. و لو كان الشيء قبيحا بالتقبيح الوضعي، لم يصدق قول الشارع، في الاخبار عنه: إنه قبيح أو حسن.