فتقليد الحق أولى. و قد رأيت عقول الأنبياء، على كثرتهم، و الأولياء قد قبلتها، و آمنت بها، و صدقتها، و رأت أن تقليدها ربها في معرفة نفسه، أولى من تقليد أفكارها. فما لك-أيها العاقل، المنكر لها! -لا تقبلها ممن جاء بها، و لا سيما عقول تقول: إنها في محل الايمان بالله و رسله و كتبه"؟
(الرياضيات و الخلوات و المجاهدات و أثرها في المعرفة الحقيقية)
و لما رأت عقول أهل الايمان بالله تعالى أن اللّٰه قد طلب منها أن تعرفه، بعد أن عرفته بادلتها النظرية، -علمت أن ثم علما آخر بالله، لا نصل إليه من طريق الفكر. فاستعملت الرياضات، و الخلوات، و المجاهدات، و قطع العلائق، و الانفراد، و الجلوس مع اللّٰه بتفريغ المحل، و تقديس القلب عن شوائب الأفكار-إذ كان متعلق الأفكار الأكوان-.
و اتخذت هذه الطريقة من الأنبياء و الرسل. و سمعت أن الحق-جل جلاله! - ينزل إلى عباده، و يستعطفهم. فعلمت أن الطريق إليه (-تعالى! -) ، من جهته، أقرب إليه من الطريق من فكرها، و لا سيما أهل الايمان. و قد سمعت
قوله-تعالى! -: "من أتانى يسعى أتيته هرولة"، و أن"قلبه (أي قلب المؤمن) وسع جلال اللّٰه و عظمته".
فتوجه (العقل) إليه (-تعالى! -) بكله. و انقطع من كل ما يأخذه عنه، من هذه القوى. فعند هذا التوجه، أفاض اللّٰه عليه، من نوره، علما إلهيا، عرفه بان اللّٰه تعالى، من طريق المشاهدة و التجلي، لا يقبله كون، و لا يرده (كون) . و لذلك قال (تعالى) : إِنَّ فِي ذٰلِكَ -يشير إلى العلم بالله من حيث المشاهدة. لَذِكْرىٰ لِمَنْ كٰانَ لَهُ قَلْبٌ -. و لم يقل غير ذلك.