فإذا تصور الفكر ذلك الدليل، حينئذ يأخذه العقل منه، فيحكم به على المدلول. و ما من قوة إلا و لها موانع و أغاليط، فيحتاج إلى فصلها من الصحيح الثابت.
فانظر-يا أخى! -ما أفقر العقل حيث لا يعرف شيئا مما ذكرناه إلا بوساطة هذه القوى، و فيها، من العلل، ما فيها! ما ذا اتفق للعقل أن يحصل شيئا، من هذه الأمور، بهذه الطرق، ثم أخبره اللّٰه بامر ما فتوقف في قبوله، و قال: "ان الفكر يرده! ". فما أجهل هذا العقل بقدر ربه:
كيف قلد فكره، و جرح ربه؟
(طريق العقل إلى اللّٰه من جهة الشرع، أقرب إليه من جهة الفكر)
فقد علمنا أن العقل ما عنده شيء من حيث نفسه، و أن الذي يكتسبه من العلوم إنما هو من كونه عنده صفة القبول. فإذا كان بهذه المثابة، فقبوله من ربه لما يخبر به عن نفسه-تعالى! -أولى من قبوله من فكره. و قد عرف أن فكره مقلد لخياله، و أن خياله مقلد لحواسه، و مع تقليده، فهو غير قوى على إمساك ما عنده ما لم تساعده على ذلك القوة الحافظة و المذكرة.
و مع هذه المعرفة بان القوى لا تتعدى خلقها و ما تعطيه حقيقتها، و أنه (أي العقل) ، بالنظر إلى ذاته، لا علم عنده إلا الضروريات التي فطر عليها، -لا يقبل قول من يقول له: "إن ثم قوة أخرى وراءك، تعطيك خلاف ما أعطتك القوة المفكرة، نالها أهل اللّٰه: من الملائكة، و الأنبياء، و الأولياء، و نطقت بها الكتب المنزلة. فاقبل منها هذه الأخبار الإلهية.