فلا بد أن يكون العلم الذي طلب منه الرسول أن يعلم به ربه، غير العلم الذي أعطاه دليله. و هو (أي العلم الذي طلب منه الرسول أن يعلم المرء به ربه) .
أن يتعمل في تحصيل علم من اللّٰه بالله، يقبل به، على بصيرة، هذه الأمور التي نسبها اللّٰه إلى نفسه، و وصف نفسه بها، التي أحالها العقل بدليله.
-فانقدح له، بتصديقه الرسول، أن ثم، وراء العقل، و ما يعطيه بفكره، أمرا آخر يعطى من العلم بالله ما لا تعطيه الأدلة العقلية، بل تحيله قولا واحدا.
(المعرفة النقلية وراء طور العقل)
فإذا علمه (الإنسان) بهذه القوة، التي عرف أنها وراء طور العقل، هل يبقى له الحكم فيما كان يحيله العقل، من حيث فكره أولا،
على ما كان عليه، أم لا يبقى؟ فان لم يبق له الحكم بان ذلك محال، فلا بد أن يعثر على الوجه الذي وقع له منه الغلط بلا شك، و أن ذلك الذي اتخذه دليلا على إحالة ذلك على اللّٰه، لم يكن دليلا في نفس الأمر. و إذا كان هذا (هكذا) ، فما ذلك الأمر، مما هو وراء طور العقل؟ فان العقل و قد يصيب، و قد يخطئ. و إن بقي للعقل، بعد كشفه و تحقيقه لصحة هذا الأمر الذي نسبه اللّٰه لنفسه، و وصف به نفسه، و قبلته عقول الأنبياء، و قبله عقل هذا المكاشف بلا شك و لا ريب، -و مع هذا، فإنه يحكم على اللّٰه بان ذلك الأمر محال عقلا، من حيث فكره لا من حيث قبوله، -(نقول:) حينئذ، يصح أن يكون ذلك المقام وراء طور العقل، من جهة أخذه (أي العقل) عن الفكر، لا من جهة أخذه عن اللّٰه.