(عقلاء المجانين من أهل اللّٰه)
و هؤلاء، هم الذين يسمون عقلاء المجانين. يريدون بذلك أن جنونهم ما كان سببه فساد مزاج عن أمر كونى، من غذاء أو جوع أو غير ذلك.
و إنما كان عن تجل إلهى لقلوبهم، و فجاة من فجآت الحق فجأتهم، فذهبت بعقولهم. فعقولهم محبوسة عنده، منعمة بشهوده، عاكفة في حضرته، منزهة في جماله. فهم أصحاب عقول بلا عقول! و عرفوا، في الظاهر، بالمجانين، أي المستورين عن تدبير عقولهم: فلهذا سموا عقلاء المجانين.
قيل لأبى السعود بن الشبل البغدادي، عاقل زمانه: "ما تقول في عقلاء المجانين من أهل اللّٰه؟ فقال-رضى اللّٰه عنه-: "هم ملاح و العقلاء منهم أملح". قيل له: "فبما ذا نعرف مجانين الحق من غيرهم؟ "فقال "مجانين الحق تظهر عليهم آثار القدرة، و العقلاء يشهد الحق بشهودهم". -أخبرنى بذلك عنه صاحبه أبو البدر التماشكى-رحمه اللّٰه! - و كان ثقة، ضابطا، عارفا بما ينقل، لا يجعل فاء مكان واو. -فقال الشيخ:
"من شاهد ما شاهدوا و أبقى عليه عقله، فذلك أحسن و أمكن، فإنه قد أقيم و أعطى من القوة قريبا مما أعطيت الرسل".
(تجلى الرب و تدكدك جبل القلب)