أدبا مع رسل اللّٰه-ع-. و إن كان هذا اللفظ قد أبيح لهم و لم ينهوا عنه و لكن لم يوجب عليهم. فكان لزوم الأدب أولى مع من عرفنا اللّٰه أنه أعظم منا منزلة عنده. و هذا لا يعرفه إلا الأدباء الورعون.
(الطريق الضيق في زحمة الأكوان)
ثم إن لهؤلاء مرتبة أخرى في الورع. و هي أنهم-رضى اللّٰه عنهم! - يجتنبون كل أمر تقع فيه المزاحمة بين الأكوان. و يطلبون طريقا لا يشاركهم فيها من ليس من جنسهم و لا من مقامهم. فلا يزاحمون أحدا في شيء مما يتحققون
به في نفوسهم، و يتصفون به، و يحبون من اللّٰه أن يدعوا به في الدنيا و الآخرة:
و هو ما يكونون عليه من الأخلاق الإلهية. فيكونون، مع تحققهم بمعانيها، و ظهور أحكامها على ظواهر هم: من الرحمة بعباد اللّٰه، و التلطف بهم، و الإحسان إليهم، و التوكل على اللّٰه، و القيام بحدود اللّٰه، -يظهرون في العالم أن جميع ما يرى عليهم أن ذلك فعل اللّٰه لا فعلهم، و بيد اللّٰه لا بيدهم، و أن المثنى عليه بذلك الفعل، إنما ينبغي أن يتعلق ذلك الثناء بفاعله: و فاعله هو اللّٰه-جل جلاله! -لا نحن.
فيتبرءون من أفعالهم الحسنة غاية التبري، و من الأوصاف المستحسنة كذلك. و كل وصف، مذموم شرعا و عرفا، يضيفونه إلى أنفسهم: أدبا مع اللّٰه تعالى، و ورعا شافيا. كما قال الخضر في العيب: "فأردت"، و في الخير: "فأراد ربك! "و كما قال الخليل-ع-: