فهم يخبرونكم. و لو نطقت الأصنام، في ذلك الوقت، لنسبت الفعل إلى اللّٰه، لا إلى إبراهيم. فإنه مقرر، عند أهل الكشف من أهل طريقنا، أن الجماد و النبات و الحيوان قد فطرهم اللّٰه على معرفته و تسبيحه بحمده، فلا يرون فاعلا إلا اللّٰه. و من كان هذا في فطرته، كيف ينسب الفعل لغير اللّٰه؟ فكان إبراهيم على بينة من ربه في الأصنام: أنهم لو نطقوا لأضافوا الفعل إلى اللّٰه. لأنه ما قال لهم: "سلوهم"إلا في معرض الدلالة، سواء نطقوا أو سكتوا. فان لم ينطقوا، يقول لهم: "لم تعبدون ما لا يسمع و لا يبصر و لا يغنى عنكم من اللّٰه شيئا و لا عن نفسه؟ "و لو نطقوا لقالوا: "إن اللّٰه قطعنا قطعا! "لا يتمكن في الدلالة أن تقول الأصنام غير هذا.
فإنها (أي الأصنام) لو قالت: "الصنم الكبير فعل ذلك بنا"، لكذبت! و يكون (قولهم هذا) تقريرا من اللّٰه لكفرهم، وردا على إبراهيم- ع! -: فان (الصنم) الكبير ما قطعهم جذاذا. -و لو قالوا في إبراهيم: "إنه قطعنا"، لصدقوا في الإضافة إلى إبراهيم، و لم تلزم الدلالة، بنطقهم، على وحدانية اللّٰه ببقاء الكبير. فيبطل كون إبراهيم قصد الدلالة:
فلم تقع، و لم يصدق قول اللّٰه: وَ تِلْكَ حُجَّتُنٰا آتَيْنٰاهٰا إِبْرٰاهِيمَ عَلىٰ قَوْمِهِ - فكانت له الدلالة: في نطقهم لو نطقوا-كما قررنا-، و في عدم نطقهم لو لم ينطقوا.
و مثل هذا ينبغي أن يكون قصد الأنبياء-ع! - فهم لعلماء-ص! -. و لهذا رجعوا (أي عبدة الأصنام) إلى أنفسهم فقالوا: "إنكم أنتم الظالمون". ثم نكسوا على رءوسهم فقالوا: "لقد علمت ما هؤلاء ينطقون". فقال اللّٰه لمثل هؤلاء: أَ تَعْبُدُونَ مٰا تَنْحِتُونَ؟ (58) فكان من فتوته (-ع! -) أن باع نفسه في حق أحدية خالقه، لا في حق خالقه، لأن الشريك ما ينفى وجود الخالق، و إنما يتوجه على نفى الأحدية. فلا يقوم، في هذا المقام، إلا من له"القطبية في الفتوة"، بحيث يدور عليه مقامه
(فتوة فتى موسى-ع! -)
و من الفتوة، قوله-تعالى! -: وَ إِذْ قٰالَ مُوسىٰ لِفَتٰاهُ -