(الفتوة مقام القوة)
اعلم أن للفتوة مقام القوة. و ما خلق اللّٰه، من الطبيعة، أقوى من الهواء. و خلق الإنسان أقوى من الهواء إذا كان مؤمنا. كذا ورد في الخبر النبوي، عن اللّٰه تعالى، مع الملائكة، لما خلق الأرض، و جعلت تميد. - الحديث بكماله. و في آخره: "يا رب! فهل خلقت شيئا أشد من الريح؟ قال: نعم! المؤمن يتصدق بيمينه ما تعرف بذلك شماله".
و قال تعالى: إِنَّ اَللّٰهَ هُوَ اَلرَّزّٰاقُ ذُو اَلْقُوَّةِ اَلْمَتِينُ -فنعت "الرزاق"بالقوة، لوجود الكفران بالمنعم من المرزوقين: فهو يرزقهم مع كفرهم به، و لا يمنع عنهم الرزق و الانعام و الإحسان، بكفرهم، مع أن الكفر بالنعم سبب مانع، يمنع النعمة. فلا يرزق الكافر، مع وجود الكفر منه لما رزقه، إلا من له القوة. فلهذا نعته (في القرآن الكريم) ب"ذى القوة
المتين": فان المتانة، في القوة، تضاعفها. فما اكتفى-سبحانه! - ب"ذى القوة"حتى وصف نفسه بانه"المتين"فيها: إذ كانت"القوة" لها طبقات في التمكن من القوى. فوصف نفسه (-سبحانه! -) بالمتانة.
و هذه صفة"أهل الفتوة".
فان"الفتوة"ليس فيها شيء من الضعف، إذ هي حالة بين الطفولة و الكهولة، و هو عمر الإنسان من زمان بلوغه إلى تمام الأربعين من ولادته. يقول اللّٰه تعالى في هذا المقام: اَللّٰهُ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً -و ذلك حال"الفتوة"، و فيها يسمى"فتى"، و ما قرن معهم شيئا من الضعف. -ثم قال-سبحانه و تعالى! -: ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَ شَيْبَةً -يعنى"ضعف"الكهولة إلى آخر العمر، "و شيبة"-يعنى وقارا، أي سكونا لضعفه عن الحركة. فان"الوقار"من "الوقر"، و هو"الثقل". فقرن (تعالى) ، مع هذا الضعف الثاني، "الشيبة" التي هي الوقار. فان الطفل و إن كان ضعيفا، فإنه متحرك جدا، و اختلف في حركته: هل هي من الطبيعة أو من الروح؟ روى أن