و إن جاءك (الشيطان) من خلفك، و هو ما يدعوك إليه أن تقول على اللّٰه ما لا تعلم، و تدعى النبوة و الرسالة و أن اللّٰه قد أوحى إليك، -و ذلك أن الشيطان إنما ينظر في كل ملة كل صفة علق الشارع المذمة عليها في تلك الأمة، فيأمرك بها، و كل صفة علق المحمدة عليها، نهاك عنها، هذا على الإطلاق، و الملك على النقيض منه: يأمرك بالمحمود منها، و ينهاك عن المذموم، - فإذا طردته (أي الشيطان حين يأتيك) من خلفك، لاحت لك علوم الصدق و منازله، و أين ينتهى بصاحبه؟ كما قال-تعالى! -:
فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ -ألا إن ذلك صدقهم هو الذي أقعدهم ذلك المقعد عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ -فان الاقتدار يناسب الصدق، فان معناه (أي الصدق) القوى، يقال: رمح صدق، أي صلب، قوى.
و لما كانت القوة صفة هذا الصادق، حيث قوى على نفسه فلم يتزين بما ليس له، و التزم الحق في أقواله و أحواله و أفعاله، و صدق فيها- "أقعده الحق عند مليك مقتدر"، أي أطلعه على القوة الإلهية التي أعطته القوة في صدقه الذي كان عليه. فان"المليك"هو الشديد أيضا، فهو مناسب ل"مقتدر". قال قيس بن الخطم يصف طعنته:
ملكت بها كفى فانهرت فتقها يرى قائم من دونها ما وراءه