ثم إن اللّٰه جعل لكل عالم مرتبة في السعادة و الشقاء، و منزلة، و تفاصيلها لا تنحصر. فسعادتها بحسبها: فمنها سعادة غرضية، و منها سعادة كمالية، و منها سعادة ملائمة، و منها سعادة وضعية-أعنى شرعية. و الشقاوة
مثل ذلك في التقسيم: بما لا يوافق الغرض، و لا الكمال، و لا المزاج-و هو غير الملائم-، و لا الشرع. و ذلك كله محسوس و معقول.
فالمحسوس منه ما يتعلق بدار الشقاء، من الآلام في الدنيا و الآخرة، و يتعلق بدار السعادة من اللذات في الدنيا و الآخرة. و منه خالص و ممتزج. فالخالص يتعلق بالدار الآخرة، و الممتزج يتعلق بالدار الدنيا: فيظهر السعيد بصورة الشقي، و الشقي بصورة السعيد، و في الآخرة يمتازون. و قد يظهر الشقي في الدنيا بشقاوته و يتصل بشقاء الآخرة، و كذلك السعيد، و لكنهم (في الدنيا) مجهولون، و في الآخرة يمتازون: وَ اِمْتٰازُوا اَلْيَوْمَ أَيُّهَا اَلْمُجْرِمُونَ . فهناك تلحق المراتب باهلها لحوقا لا ينخرم و لا يتبدل.
(حملة العرش في الدنيا و الآخرة)
فقد بان لك معنى الثمانية التي هي مجموع الملك، المعبر عنه بالعرش. -و هذه هي المسالة الرابعة. فقد بان لك معنى الثمانية. و هذه الثمانية للنسب (الإلهية) الثمانية التي يوصف بها الحق. و هي: الحياة و العلم و القدرة و الإرادة و الكلام و السمع و البصر و إدراك المطعوم و المشموم و الملموس، بالصفة الائقة به. فان لهذا الإدراك بها تعلقا، كإدراك السمع بالمسموعات، و البصر بالمبصرات. و لهذا انحصر الملك في ثمانية. فالظاهر منها في الدنيا أربعة: