فلنبتدئ بالجسم النوري فنقول: إن أول جسم خلقه اللّٰه أجسام الأرواح الملكية المهيمة في جلال اللّٰه، و منهم العقل الأول و النفس الكل. و إليها (أي إلى أجسام هذه الأرواح الملكية المهيمة) انتهت الأجسام النورية المخلوقة من نور الجلال. و ما ثم، من هؤلاء الملائكة، من وجد بواسطة غيره إلا النفس التي دون العقل. و كل ملك خلق بعد هؤلاء، فداخلون تحت حكم الطبيعة، فهم من جنس أفلاكها التي خلقوا منها، و هم عمارها. و كذلك ملائكة العناصر. و آخر صنف من الأملاك، الملائكة المخلوقون من أعمال العباد و أنفاسهم. فلنذكر ذلك صنفا صنفا في هذا الباب، إن شاء اللّٰه-تعالى! -.
اعلم أن اللّٰه-تعالى! -كان قبل أن يخلق
الخلق-و لا قبلية زمان، و إنما ذلك عبارة للتوصيل، تدل على نسبة يحصل بها المقصود في نفس السامع، -كان-جل و تعالى! -في عماء، ما تحته هواء و ما فوقه هواء. و هو أول مظهر إلهى ظهر فيه، سرى فيه النور الذاتي كما ظهر في قوله: اَللّٰهُ نُورُ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ . فلما انصبغ ذلك العماء بالنور، فتح فيه صور الملائكة المهيمين الذين هم فوق عالم الأجساد الطبيعية، و لا عرش و لا مخلوق تقدمهم. فلما أوجدهم تجلى لهم، فصار لهم ذلك التجلي غيبا، كان ذلك الغيب روحا لهم، أي لتلك الصور. و تجلى لهم في اسمه الجميل، فهاموا في جلال جماله، فهم لا يفيقون!
(العقل الأول قطب عالم التدوين و التسطير)
فلما شاء (الحق) أن يخلق عالم التدوين و التسطير، عين واحدا من هؤلاء الملائكة الكروبيين-و هو أول ملك ظهر من ملائكة ذلك النور، سماه العقل و القلم. و تجلى له، في مجلى التعليم الوهبي، بما يريد إيجاده من خلقه لا إلى غاية و حد. فقيل (العقل) بذاته علم ما يكون، و ما للحق من الأسماء الإلهية الطالبة صدور هذا العالم الخلقي. فاشتق من هذا العقل موجودا آخر سماه اللوح، و أمر القلم أن يتدلى إليه، و يودع فيه جميع ما يكون إلى يوم القيامة لا غير. و جعل (الحق) لهذا القلم ثلاث مائة و ستين سنا في قلميته، أي من كونه قلما، و (جعل الحق لهذا القلم) ، من كونه عقلا، ثلاث مائة و ستين تجليا أو رقيقة، كل سن أو رقيقة تغترف من ثلاث مائة و ستين صنفا من العلوم الاجمالية، فيفصلها (القلم) في اللوح. فهذا حصر