و لما كانت اليبوسية منفعلة عن الحرارة، و كانت الرطوبة منفعلة عن البرودة، -قلنا في الرطوبة و اليبوسة: إنهما منفعلتان، و جعلناهما بمنزلة الأم للأركان. و لما كانت الحرارة و البرودة فاعلين، جعلناهما بمنزلة الأب للأركان.
و لما كانت الصنعة تستدعى صانعا و لا بد، و المنفعل يطلب الفاعل بذاته، فإنه منفعل لذاته، و لو لم يكن منفعلا لذاته لما قبل الانفعال و الأثر، و (لما) كان مؤثرا فيه، بخلاف الفاعل فإنه يفعل بالاختيار: إن شاء فعل، فيسمى فاعلا، و إن شاء ترك، و ليس ذلك للمنفعل.
و لهذه الحقيقة، ذكر-تعالى! -و هو من فصاحة القرآن و إيجازه:
وَ لاٰ رَطْبٍ وَ لاٰ يٰابِسٍ إِلاّٰ فِي كِتٰابٍ مُبِينٍ فذكر المنفعل، و لم يذكر:
و لا حار و لا بارد. (و ذلك أنه) لما كانت الرطوبة و اليبوسة، عند العلماء بالطبيعة، تطلب الحرارة و البرودة، اللتين هما منفعلتان عنهما، كما تطلب الصنعة الصانع، لذلك ذكرهما (القرآن) دون الأصل، و إن كان الكل في "الكتاب المبين". -فلقد حبا اللّٰه سيدنا محمدا-ص! - بعلوم ما نالها أحد سواه، كما قال: "فعلمت علم الأولين و الآخرين"في حديث "الضرب باليد". فالعلم الإلهي هو أصل العلوم كلها، و إليه ترجع. -و قد