فحدث الليل و النهار بخلق الشمس في اليوم. و قد كان اليوم موجودا، فجعل النصف من هذا اليوم لأهل الأرض نهارا، و هو من طلوع الشمس إلى غروبها، و جعل النصف الآخر منه ليلا، و هو من غروب الشمس إلى طلوعها. و اليوم عبارة عن المجموع، و لهذا"خلق (اللّٰه) السماوات و الأرض و ما بينهما في ستة أيام". فان الأيام كانت موجودة بوجود حركة فلك البروج، و هي الأيام المعروفة عندنا لا غير. فما قال اللّٰه: خلق العرش و الكرسي، و إنما قال: خَلَقَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّٰامٍ . فإذا دار فلك البروج دورة واحدة، فذلك هو اليوم الذي خلق اللّٰه فيه السماوات و الأرض. ثم أحدث اللّٰه الليل و النهار عند وجود الشمس، لا الأيام.
و أما ما يطرأ فيها (أي في دورة فلك البروج) من الزيادة و النقصان -أعنى في الليل و النهار لا في الساعات، فإنها (دائما) أربع و عشرون ساعة-، فذلك لحلول الشمس في منطقة البروج، و هي حمائلية
بالنسبة إلينا، (أي) فيها ميل. فيطول النهار إذا كانت الشمس في المنازل العالية حيث كانت، و إذا حلت الشمس في المنازل النازلة، قصر النهار حيث كانت. و إنما قلنا: "حيث كانت"، فإنه إذا طال الليل عندنا، طال النهار عند غيرنا، فتكون الشمس في المنازل العالية بالنسبة إليهم، و في المنازل النازلة بالنسبة إلينا. فإذا قصر النهار عندنا، طال الليل عندهم لما ذكرناه.
و اليوم هو اليوم بعينه: أربع و عشرون ساعة، لا يزيد و لا ينقص، و لا يطول و لا يقصر في موضع الاعتدال. فهذا هو حقيقة اليوم. ثم قد نسمي النهار وحده يوما بحكم الاصطلاح. -فافهم!
(الزمان و الشؤون الإلهية)
و قد جعل اللّٰه هذا الزمان، الذي هو الليل و النهار، يوما، و الزمان هو اليوم. و الليل و النهار موجودان في الزمان، جعلهما أبا و اما لما يحدث اللّٰه فيهما، كما قال: يُغْشِي اَللَّيْلَ اَلنَّهٰارَ -كمثل قوله في آدم: فَلَمّٰا تَغَشّٰاهٰا حَمَلَتْ . فإذا غشى الليل النهار، كان الليل أبا و كان النهار أما، و صار كل ما يحدث اللّٰه في النهار بمنزلة الأولاد التي تلد المرأة. و إذا غشى النهار الليل، كان النهار أبا و كان الليل أما، و كان ما يحدث اللّٰه من الشؤون في الليل بمنزلة الأولاد التي تلد الأم. و قد بينا هذا الفصل في"كتاب الشأن"لن