(دخول ابن عربى مقام"القربة"مطلع عام )
هذا المقام دخلته في شهر محرم سنة سبع و تسعين و خمس مائة، و أنا مسافر بمنزل يسمى أبجيسل، ببلاد المغرب، فتهت به فرحا، و لم أجد فيه أحدا: فاستوحشت من الوحدة، و تذكرت دخول أبى يزيد بالذلة و الافتقار، فلم يجد في ذلك المنزل من أحد. و ذلك المنزل هو موطنى، فلم أستوحش فيه. لأن الحنين إلى الأوطان ذاتى لكل موجود، و أن الوحشة مع الغربة. - و لما دخلت هذا المقام، و انفردت به، و علمت أنه إن ظهر على فيه أحد
أنكرنى، -فبقيت أتتبع زواياه و مخادعه، و لا أدرى ما اسمه، مع تحققى به، و ما خص اللّٰه به من آتاه إياه. و رأيت أوامر الحق تترى على، و سفراءه تنزل إلى، تبتغي مؤانستى، و تطلب مجالستى.
(أبو عبد الرحمن السلمي و ابن عربى و مقام القربة)
فرحلت و أنا على تلك الحال من الاستيحاش بالانفراد. و الأنس إنما يقع بالجنس. فلقيت رجلا من الرجال، بمنزل يسمى"آءنحال"، فصليت العصر في جامعه. فجاء الأمير أبو يحيى بن واجتن، و كان صديقى، و فرح بى، و سألني أن أنزل عنده، فأبيت و نزلت عند كاتبه، و كانت بينى و بينه مؤانسة، فشكوت إليه ما أنا فيه من انفرادى بمقام أنا مسرور به. فبينا هو يؤانسنى إذ لاح لي ظل شخص، فنهضت من فراشى إليه، عسى أجد عنده
فرجا، فعانقني! فتأملته فإذا به أبو عبد الرحمن السلمي، قد تجسدت لي روحه، بعثه اللّٰه إلى رحمة بى. فقلت له: "أراك في هذا المقام! "فقال: