(القسم الأول من النبوة البشرية)
اعلم أن النبوة البشرية على قسمين قسم من اللّٰه إلى عبده من غير روح ملكى بين اللّٰه و بين عبده. بل إخبارات إلهية يجدها (العبد) في نفسه من الغيب، أو في تجليات لا يتعلق بذلك الاخبار حكم تحليل و لا تحريم، بل تعريف إلهى و مزيد علم بالاله، أو تعريف بصدق حكم مشروع، ثابت أنه من عند اللّٰه لهذا النبي الذي أرسل إلى من أرسل إليه، أو تعريف بفساد حكم قد ثبت بالنقل صحته عند علماء الرسوم. فيطلع صاحب هذا المقام على صحة ما صح من ذلك و فساد ما فسد، مع وجود النقل بالطرق الضعيفة، أو صحة ما فسد عند أرباب النقل، أو فساد ما صح عندهم، و الاخبار بنتائج
الأعمال، و أسباب السعادات، و حكم التكاليف في الظاهر و الباطن، و معرفة "الحد"في ذلك و"المطلع". -كل ذلك (يعرفه العبد) "ببينة من اللّٰه و شاهد عدل إلهى من نفسه". غير أنه لا سبيل أن يكون (العبد) على شرع بخصه، يخالف شرع نبيه و رسوله الذي أرسل إليه و أمر باتباعه، فيتبعه (العبد ثمة) على علم صحيح، و قدم صدق ثابت عند اللّٰه تعالى.
(خصائص صاحب القسم الأول من النبوة البشرية)
ثم إن لصاحب هذا المقام الاطلاع على الغيوب في أوقات، و في أوقات لا علم له بها. و لكن من شرطه العلم بأوضاع الأسباب في العالم، و ما يؤول إليه الواقف عندها أدبا، و الواقف معها اعتمادا عليها.
كل ذلك يعلمه صاحب هذا المقام. و له درجات الاتباع. و هو تابع، لا متبوع، و محكوم، لا حاكم. و لا بد له في طريقه من مشاهدة قدم رسوله أمامه، لا يمكن أن تغيب عنه حتى في"الكثيب". و هذا كله كان في الأمم السالفة. و أما هذه الأمة المحمدية فحكمهم ما ذكرناه. و زيادة: و هو أن لهم، بحكم شرع النبي محمد-ص-"أن يسنوا سنة حسنة"-مما لا تحل حراما و لا تحرم حلالا،