الإنسان، و فيما يظهر من عدم الاعتناء الإلهي به. و عندنا ما أخر اللّٰه نشأته و وجود عينه إلا اعتناء اللّٰه به، لأنه لو أوجده اللّٰه أول الأشياء، كان يمر عليه وقت لا يكون فيه خليفة، فإنه ما ثم على من (يكون عليه خليفة) ؟ و اللّٰه قد هياه لمرتبة الخلافة و النيابة عنه. فلا بد أن يتأخر وجود عينه عن وجود الأعيان، حتى لا يزول عنه اسم الخلافة دنيا و لا آخرة. فما وجد (الإنسان) إلا مليكا سيدا، كما أنه، مع غيره، لله عبد مملوك. ففضل (الإنسان) العالم كله بالخلافة، فلم تكن لغير الإنسان، و هذه المرتبة أوجبت له أن يخلق على "الصورة"(الإلهية) .
(العالون عن العالم العنصري أعلى نشاة و الإنسان أجمع نشاة)
و (هناك) من قال: إن هذه الآية تدل على عدم الاعتناء الإلهي بالإنسان، لأن اللّٰه متكلم أزلا، عالم بما يكون أزلا، و نفى أن يكون "الإنسان شيئا مذكورا"-مع أنه شيء و لا بد، لقوله (-تعالى-) : إِنَّمٰا قَوْلُنٰا لِشَيْءٍ إِذٰا أَرَدْنٰاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ: كُنْ! فَيَكُونُ -فما يأمر (الحق) إلا من يسمع بسمع ثبوتى أو وجودى. -و نفى (اللّٰه) أن يكون الإنسان مذكورا في حين من الدهر، و الدهر هنا (هو) الزمان، و الحين جزء منه لم يكن فيه الإنسان مذكورا مع وجوده صورة إنسان. و جهل من شاهد صورته مراد اللّٰه فيه، و ما علم له اسم رتبة يذكر به، و لا ماله عند اللّٰه من العناية به التي ظهر أثرها عليه حين أقامه خليفة في أرضه و ما غربه (الحق) عن موطنه، و هو التراب
الذي خلق منه و موطن ذلته، (إلا) لشهود عبوديته، فان"الأرض ذلول"-فما حجبته الخلافة عن عبودته، و إن كانت أعلى المراتب: فهو فيها (-في العبودة) بالذات، و الملائكة المقربون فيها بالعرض.
يقول تعالى: لَنْ يَسْتَنْكِفَ اَلْمَسِيحُ ) -لكونه يحيى"الموتى و يخلق و يبرئ"، - أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلّٰهِ -ثم عطف فقال: وَ لاَ اَلْمَلاٰئِكَةُ اَلْمُقَرَّبُونَ -و هم العالون عن العالم العنصري المولد، فهم أعلى نشاة و الإنسان أجمع نشاة فان فيه (-أي في الإنسان) الملك و غيره، فله فضلية الجمع و لهذا جعله (اللّٰه) "معلم الملائكة و أسجدهم له". -
فمساق الآية (المتقدمة الخاصة بخلق الإنسان) يؤذن بتقرير النعم عليه. و إنما وقعت الصعوبة في هذا"الذكر"كونه نكره، و النكرة تعم في مساق النفي، فالتنكير يؤذن بتعميم نفى"الذكر"عنه من كل ذاكر. و هو دليل على أن اللّٰه ما ذكره لمن أوجد قبله من الأعيان، و إن كان مذكورا له في نفسه (-سبحانه-) ، ثم ذكره لملائكته بمرتبته التي خلق لها (و هي الخلافة) ، لا باسمه العلم الذي هو آدم. -فاعلم!