(الشره و الحرص نحيزتان في جبلة الإنسان)
اعلم-أيدك اللّٰه-أن هاتين الصفتين مجبول عليهما الإنسان، بما هو إنسان. و كل ما هو الإنسان مجبول عليه فمن المحال زواله. فهو مقام، لا حال فإنه ثابت، و يتطرق إليه الذم من جهة متعلقه إذا كان مذموما شرعا و عقلا، و يتطرق إليه الحمد من جهة متعلقه إذا كان محمودا شرعا و عقلا. قال تعالى: وَ لَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ اَلنّٰاسِ عَلىٰ حَيٰاةٍ . و قال ص: "زادك اللّٰه حرصا و لا تعد". -فالآية (المتقدمة) موجهة لطرفى الحمد و الذم، لو لا الضمير الذي في قوله: "و لتجدنهم"-
فإنه يعود على قوم مذمومين، و قرينة الحال تدل على أن مساقه الحرص فيها على الذم، تكذيبا لهم فيما ادعوه من أن"الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس".
فمن نظر في"الحرص"هنا الدلالة على كذبهم، كان (الحرص) محمودا فيهم، لأنه دليل إلهى على كذبهم. فهو، من جانب الحق فيهم، عليهم حجة لله: "و لله الحجة البالغة"به. و (الحرص) المذموم هو المذموم من كل وجه، من حيث ما هو فيهم، لا من حيث دلالته عليهم.
و كان متعلقه ما يفنى و تكذيب الصادق، (و لهذا) كان مذموما. -و أما (الحرص المذكور) في الخبر الذي أوردناه. فهو محمود: لأنه حرص على أداء عبادة مفروضة.