و هذا أصل يطرد في كل وصف لا يكون له في الألوهة مدخل كالذلة، و الافتقار، و الخشوع، و الخوف، و الخشية: فإنه يتأثر صاحب هذا الحال. و كل كون يكون حاله نعتا إلهيا كالكرم، و الجود، و الرحمة، و الكبرياء: فإنه لا يؤثر في صاحبه (نزول الكلام الإلهي) أصلا. فإنه نعت حق، فله العزة و المنع. هذا مطرد. و قد نزل علينا من القرآن ذوقا، عرفنا من
ذلك صورة نزوله على نبيه-ص-. فوجدنا له ما لم نجد لحفظ حروفه، و لا لتدبر معانيه. و نزل علينا في الحالين، فأثر في الحال الواحد الكونى، و لم يؤثر في الحال الإلهي إلا لذة خاصة، فإنه لا بد منها. و أما خشوعا فلا. و لهذا ينسب إلى الجناب الإلهي الأقدس ما ينسب من"الفرح"، و هو"التذاذ".
("من استظهر القرآن أدرجت النبوة بين جنبيه")
ثم إن اللّٰه جعل مثل هذا أمثالا مضروبة للناس"يضل بها كثيرا و يهدى بها كثيرا و ما يضل بها إلا الفاسقين"-الخارجين عن الحالين، و العارين عن التلبس بالحكمين. و هي حالة الغافلين عما خلقوا له و عم
فضلوا به. -لم يمت أبو يزيد (البسطامي) حتى استظهر القرآن:
و هو تنزيله عليه ذوقا. و"من استظهر القرآن فقد أدرجت النبوة بين جنبيه"-كذا قال ص. و هذا (هو) الفرق بين تنزله على النبي-ص-و بين تنزله علينا. فإنه منزل في النبي-ص-على قلبه و في صدره. فنبوته له مشهودة، و يتنزل علينا"بين جنبينا"من وراء حجابنا. فهو (أي القرآن) لنا في الظهر، لا في الظهور. فنبوتنا مستورة عنا، مع كوننا محلا لها. -فمن خشع تصدع، و من علم خشي.