و يجتنب (الورع، صاحب هذا المقام) في خياله، كما يجتنب في ظاهره لأن الخيال تابع للحس. و لهذا إذا احتلم المريد عاقبة شيخه. ألا ترى أنه ما احتلم نبى قط و لا ينبغي له ذلك، و لا العارفون بالله ذوقا. فان الاحتلام برؤيا في النوم أو في التصور في اليقظة، فإنما هو من بقية طبيعته في خياله، و هو كذب، فإنه (أي المحتلم) يظن أنه في الحس الظاهر.
و قد قلنا: إن الورع يجتنب الكذب، فلو اجتنبه في الحس لأثر في خياله.
فإذا رأيتم صاحب مقام الورع يغتسل من نوم، فذلك لماء خرج منه و هو نائم، لضعف الأعضاء الباطنة، و هو مرض طرأ في مزاجه، لا عن رؤيا أصلا: لا في حلال و لا في حرام. -و أما إذا نظر (الاسم"اللّٰه") إليه (أي إلى صاحب مقام الورع) في عالم ملكوته، فاثره فيه اجتناب التأويل فيما يرد عليه من المخاطبات الإلهية و التجلي الإلهي، إذا كان كل ذلك في الصور فلا يعبر ما رآه و لا يتأول ما خوطب به فإنه كله إلهى، و كل إلهى مجهول، كما أن الورعين مجهولون. لأنه (أي الورع) اجتناب و ترك، و لا يتميز الأمر من خارج إلا بالفعل. فان نطق
الورع بما ينبغي أن يجتنب ذلك الأمر-و لأجله اجتنبه-فقد أخل بمقام الورع، فان مقامه (أي مقام الورع) أن يكون مجهولا، و قد عرف بانه ورع، فزال عنه حكم مقامه. بل ما كان قط في مقام الورع، و ورعه في اجتنابه معلول فلا يسلم له.
(الجانب الرباني و الرحمانى في مقام الورع)
و أما (الجانب) الرباني و الرحمانى (في مقام الورع) فعلى هذا المجرى سواء. فخذه و اعمل عليه تر عجبا. فقل أن تجده في غير هذا الكتاب. فان أكثر الناس، بل ربما كلهم ما أبانوا عن هذه المقامات و الأحوال بما يعطيه تفصيل الوجود، و إن كانوا يعرفونها فإنهم اتكلوا في ذلك على أن السالك إذا دخل، و صدق في التوجه، أبينت له الأمور على ما هي عليه. فيعرف (حينئذ) حاله.
الباب الثاني و التسعون في معرفة مقام ترك الورع