في حق المبتلى به. و أي داء أكبر من الكبائر؟ فجعل اللّٰه لهم (أي لأهل الكبائر) النار، يوم القيامة، دواءا كالكى بالنار في الدنيا. فدفع (اللّٰه) بدخولهم النار يوم القيامة داءا عظيما، أعظم من النار: و هو غضب اللّٰه الذي قام مقام الداء الذي يكوى، من يخاف عليه منه، بالنار. و لهذا (أهل الكبائر) يخرجون بعد ذلك من النار إلى الجنة-قد امتحشوا- كما يخرج إلى العافية صاحب الكي بالنار. هذا إذا جعلناها (أي النار في الآخرة) وقاية، كما جعلنا في الحدود الدنياوية وقاية من عذاب الآخرة.
و لهذا (الحدود) هي كفارات، أي تستره هذه الحدود عن عذاب الآخرة.
(عقوبة الكفار، و عقوبة أهل الكبائر)
و من هنا قلنا في المحاربين اللّٰه و رسوله: إن المعنى بهم الكفار، فان اللّٰه لما عاقبهم في الدنيا لم يجعل عقوبتهم كفارة، مثل ما هي"الحدود"في حق المؤمنين. بل قال: "ذلك لهم خزى في الدنيا و لهم في الآخرة عذاب عظيم"-و هذا لا يكون إلا للكفار.
و"العذاب العظيم"هو أن يعم الظاهر و الباطن، بخلاف عذاب أهل الكبائر من المؤمنين، فان اللّٰه يميتهم في النار إماتة حتى يعودوا حمما، شبه الفحم. فهؤلاء ما أحسوا بالعذاب لموتهم، فليس لهم حظ في العذاب العظيم. -ف(نحن) نتقى النار لما يكون من الألم عند تعلقها بنا، و الذين هم حجر لها يزيدون في فعلها فإنهم المحرقون بالنار، مثل الجمرات، ثم تفعل النار بوساطة الجمرات، التي ظهرت فيها، فعلا آخر قد يكون فيه منفعة، كالجمرات التي تكون تحت القدر لإنضاج ما في القدر، ليقع بذلك الإنضاج منفعة المتمتع بما نضج.
(كرة الأثير، و أشعة الشمس، و موضع الجنة و النار)
و لما كانت كرة الأثير و أشعة الشمس تؤثر في مولدات الفواكه
و المعادن بحرارتها نضجا، لما في ذلك من المنفعة لنا، كانت رحمة مع كونها نارا. كذلك من عرف نشاة الآخرة و موضع الجنة و النار، و ما في فواكه الجنة من النضج الذي يقع به الالتذاذ لآكله من أهل الجنان، علم أين النار و أين الجنة؟ و أن نضج فواكه الجنة سببها حرارة النار التي (هي) تحت مقعر أرض الجنة. فتحدث النار حرارة في مقعر أرضها، فيكون (بذلك) صلاح ما في الجنة من المأكولات و ما لا يصلح إلا بالحرارة من حرارة النار، و هو لها كحرارة النار تحت القدر، فان مقعر أرض الجنة هو سقف النار. و قد بينا ذلك في (كتاب) "التنزلات الموصلية".