ثم إن العبد رأى ارتباط الكون بالله ارتباطا لا يمكن الانفكاك عنه لأنه وصف ذاتى له. و تجلى (الحق) له في هذا الارتباط،
و عرف من هذا التجلي وجوبه به (-تعالى-) و أنه لا تثبت لمطلوبه هذه الرتبة إلا به، و أنه (-أي العبد) سرها (-الرتبة) الذي لو"بطل لبطلت الربوبية"، و رآه (العبد) في كل شيء مثل ما هو عنده، و (رأى) نسبة كل شيء إليه كنسبته، هو، إليه: فلم يتمكن له (حينئذ) الاعتزال.
(النور، و المشكاة، و المصباح)
فتأدب (العبد) مع قوله-تعالى-: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكٰاةٍ فِيهٰا مِصْبٰاحٌ -أي صفة نوره (-سبحانه-) صفة"المصباح"و لم يقل: صفة الشمس فان الأمداد في نور الشمس يخفى، بخلاف (الأمداد في نور) المصباح، فان الزيت و الدهن يمده (-يمدانه) لبقاء الاضاءة، فهو باق بامداد دهنى"من شجرة"-نسبة الجهات إليها نسبة واحدة، منزهة عن الاختصاص (-عن التقيد) بحكم جهة، و هو قوله: "لا شرقية و لا غربية"-و هذا الأمداد (هو) من نور السبحات
الظاهرة من وراء سحاب العزة و الكبرياء و الجلال. فما ينفذ من نور السبحات-(أعنى) هذه الحجب-هو"نور السماوات و الأرض"، و مثله كمثل"المصباح". -و النور الذي في الدهن معلوم، غير مشهود، وضوء المصباح (هو) من أثره يدل عليه. و على الحقيقة، (النور الذي في الدهن) ما هو نور، و إنما هو سبب لبقاء"النور" و استمراره. فالنور العلمي منفر ظلمة الجهل من النفس، فإذا أضاءت ذات النفس أبصرت (النفس) ارتباطها بربها في كونها و في كون كل كون. فلم تر (النفس) عمن تعتزل؟ .
(النشأتان الظاهرة و الباطنة شاهدتان على النفس المدبرة)
و جعل (اللّٰه) هذا"النور"في"مشكاة"و"زجاجة"- مخافة الهواء أن يحيره و يشتد عليه فيطفئه. -فكان (العبد) مشكاته و زجاجته نشأته الظاهرة و الباطنة، فإنهما، من حيث هم