فرجع العبد إلى خصوصيته و هي العبودة التي لم تزاحم الربوبية، فتحلى بها و قعد في"بيت شيئية ثبوته"لا"بشيئية وجوده"ينظر تصريف الحق فيه و هو معتزل عن التدبير في ذلك. فان تسمى من هذه حالته باى اسم كان فالله مسميه، ما هو تسمى، و ليس له رد ما سماه (اللّٰه) به. فتلك الأسماء (الإلهية) هي خلع الحق على عباده. و هي خلع تشريف، فمن الأدب قبولها لأنها جاءته من غير سؤال و لا استشراف. و قد أمره رسول اللّٰه-ص-بأخذ مثل هذا العطاء"و ترك ما استشرفت النفس إلى أخذه و تمنى ذلك"-بالاستطلاع إليه. و وقف عند ذلك. -على أنه (في الحقيقة) كان (العبد) غاصبا لله فيما كان يزعم أنه له فإذا هو لله. و هو قوله-تعالى-: وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ اَلْأَمْرُ كُلُّهُ . فأخذ منه جميع ما كان يزعم أنه له، إلا العبادة فإنه لا يأخذها إذ كانت ليست بصفة له. فقال له تعالى،
لما قال: "و إليه يرجع الأمر كله فاعبده"-و هو أصله الذي خلق له. قال تعالى: وَ مٰا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاّٰ لِيَعْبُدُونِ . فالعبادة اسم حقيقى للعبد: فهي ذاته، و موطنه، و حاله، و عينه، و نفسه، و حقيقته، و وجهه!
(عزلة العلماء بالله، و العزلة التي عند عامة الناس)
فمن اعتزل (فلتكن) هذه العزلة (بغيته) فهي عزلة العلماء بالله، لا هجران الخلائق و لا غلق الأبواب و ملازمة البيوت. و هي العزلة التي عند الناس: أن يلزم الإنسان بيته، و لا يعاشر، و لا يخالط، و يطلب السلامة ما استطاع بعزلته، ليسلم من الناس و يسلم الناس منه. فهذا طلب عامة أهل الطريق بالعزلة. -ثم إن ارتقى (المعتزل) إلى طور أعلى من هذا، فيجعل عزلته رياضة و تقدمة بين يدي خلوته، لتالف النفس قطع المألوف من الأنس بالخلق، فإنه يرى الأنس
بالخلق من العلائق و العوائق الحائلة بينه و بين مطلوبه من الأنس بالله و الانفراد به. فإذا انتقل (المعتزل) من العزلة بعد إحكامه شرائطها، سهل عليه أمر الخلوة. -هذا سبب العزلة عند خاصة أهل اللّٰه.
(العزلة التي هي نسبة، و العزلة التي هي مقام)
فهذه العزلة (هي) نسبة لا مقام، و العزلة الأولى التي ذكرناها (هي) مقام مطلوب، و لهذا جعلناها في المقامات من هذا الكتاب. و إذا كانت مقاما فهي من المقامات المستصحبة في الدنيا و الآخرة. فللعارفين من أهل الأنس و الوصال في العزلة من الدرجات خمس مائة درجة و ثمان و ثلاثون درجة. و للعارفين الأدباء الواقفين مائة و ثلاث و أربعون درجة. و للملامية فيها، من أهل الأنس، خمس مائة درجة و سبع درجات. و للملامية من
أهل الأدب، و الواقفين معهم، مائة و اثنتي عشرة درجة. -و العزلة المعهودة في عموم أهل اللّٰه (هي) من المقامات المقيدة، بشرط لا تكون إلا به. و هي نسبة في التحقيق، لا مقام، إلا أنها تحصل عنها فوائد أقلها العصمة. لها الدعوى. صاحبها مسئول. و علتها سوء الظن بنفسك أو بمن اعتزلت عنهم. و هذا كله في عزلة العموم. و هي من عالم الجبروت و الملكوت، ما لها قدم في عالم الشهادة فلا تتعلق معارفها بشيء من عالم الملك.