فقيل (حينئذ) : عرش، و كرسى، و أفلاك، و أملاك، و عناصر، و مولدات، و أحوال تعرض. و ما ثم (في الحقيقة) إلا اللّٰه! فالحق-من كونه محيطا-(هو) كبيت الخلوة لصاحب الخلوة. فطلب صاحب الخلوة فلا يوجد (صاحب الخلوة!) فان البيت يحجبه، فلا يعرف منه إلا مكانه: و مكانه يدل على مكانته! .
(خلوة العارفين و خلوة الشرعيين)
فقد أعلمتك مرتبة الخلوة التي نريد في هذا الكتاب،
لا الخلوة المعهودة عند أصحاب الخلوات. و درجاتها ألف و سبع و ستون درجة، فظهر في الدرجات صورة الوترية. و إذا لم يعمر "الخلاء"إلا العالم فهو (أي صاحب الخلوة) في خلوة بنفسه. هذا أصله. ثم إنه لما انصبغ بالنور كان في خلوة بربه، و بقي في تلك الخلوة إلى الأبد، لا يتقيد بالزمان: لا بالأربعين يوما و لا بغير ذلك. -فالعارف إذا عرف ما ذكرناه عرف أنه في خلوة بربه، لا بنفسه، و (أنه في خلوة) مع ربه، لا مع نفسه. فيرى، من حيث أثره في"المحيط"به بالصور التي ظهر بها"المحيط"، نفسه بنفسه، و من حيث تعدد أعيانه رأى (العارف) منه به. و كانت (حينئذ) كل عين مغايرة لصاحبتها.
(كثرة العالم و وحدته، و كثرة الإنسان و وحدته، و قيام العالم بالحق، و الحق بالعالم)
و لذلك اختلفت صور العالم و إن كان واحدا، كما اختلفت
صورة الإنسان في نفسه و إن كان الإنسان واحدا: فيده ما هي رجله، و رأسه ما هو صدره، و عينه ما هي أذنه و لا لسانه و لا فرجه، و عقله ما هو فكره و لا خياله. فهو متنوع، متعدد العين بالصور المحسوسة و المعنوية، و مع هذا يقال فيه: "إنه واحد"و يصدق، و يقال فيه"كثير" و يصدق. فمن حيث أحديته (-أحدية الإنسان) نقول: (الإنسان) رأى نفسه بنفسه، و من حيث كثرته نقول: (الإنسان) رأى بعضه ببعضه. فتكلم بلسانه، و بطش بيده، و سعى برجله، و استنشق بأنفه، و سمع باذنه، و نظر بعينه، و تخيل بخياله، و عقل بعقله. فهذا كثير، و ما ثم إلا هو! فمن حصل له هذا العلم-كما قررناه-كان صاحب خلوة،