و الاذن (الإلهي هو) الأمر الإلهي. أمر (تعالى) بعض الشجر أن تقوم فقامت، و أمر بعض الشجر أن تنقطع فانقطعت بإذن اللّٰه، لا بقطعهم، و (قامت) بإذن اللّٰه، لا بتركهم (لها قائمة) ، و مع كونهم موصوفين بالقطع و الترك (بنص الآية) ، فإنه (أي هذا الوصف لهم) لا يناقض إذن اللّٰه، فان إذن اللّٰه لها (أي للشجرة) ، في هذه الصورة، (هو) كالاستعداد في الشيء. فالشجرة مستعدة للقطع فقبلته من القاطع. فقوله (-تعالى-) : "فبإذن اللّٰه"-يعنى للشجرة (هو) كقوله: "فيكون طائرا باذنى"-فالنفخ من عيسى لوجود الروح
الحيواني، إذ كان النفخ-أعنى الهواء الخارج من عيسى-هو عين الروح الحيواني، فدخل (هذا النفخ) في جسم هذا الطائر و سرى فيه، إذ كان هذا الطائر على استعداد يقبل الحياة بذلك النفس، كما قبل العجل الحياة مما رمى فيه السامري. فطار الطائر بإذن اللّٰه، كما خار عجل السامري بإذن اللّٰه. و لهذا قال (تعالى في آخر الآية السابقة) : "و ليخزى الفاسقين"-الخارجين عن معرفة هذا الاذن الإلهي الذي قطع هذه الشجرة و ترك الأخرى.
(الجواب عن الشيء بالنتائج و الحال أتم من غيره)
و لشيوخنا في هذا المقام حدود أذكر منها ما تيسر، و أبين عن مقاصدهم فيها بما يقتضيه"الطريق". و هكذا أفعل-إن شاء اللّٰه-
في كل مقام إذا وجدنا لهم فيه كلاما. على أنهم إذا سئلوا عن ماهية الشيء لم يجيبوا بالحد الذاتي، لكن يجيبون بما ينتج ذلك المقام فيمن اتصف به، فعين جوابهم يدل على أن المقام حاصل لهم ذوقا و حالا.
و كم من عالم (بشيء ما) بحده الذاتي و ليس عنده منه رائحة، بل هو عنه بمعزل-بل ليس بمؤمن رأسا-و هو يعلم حده الذاتي و الرسمى. فكان الجواب (عن الشيء) بالنتائج و الحال أتم (من الجواب عنه بحده الذاتي أو الرسمى) ، بلا خلاف. فان المقامات لا فائدة فيها (أي في معرفتها) إلا أن يكون لها أثر في الشخص، لأنها مطلوبة لذلك، لا لأنفسها. - و اللّٰه المرشد!
(أول منزل من منازل السالكين)