و من الناس من يكون ترك الزلة في الحال في حقه، أن يشهد رجوع الحق إليه، لا ليميز و لا ليرجع إليه، بل ليعلم حقيقة معنى الرجوع الإلهي، لما ذا ينسبه: هل إلى"الذات"أو لاسم إلهى؟ و ما سبب ذلك الرجوع: هل هو ذاتى أو غير ذاتى أو لا نسبة له إلى "الذات"؟ فهذه الوجوه و أمثالها مما يطلبه ترك الزلة في الحال.
(الركن الثاني للتوبة و موقف الصوفية منه)
و أما الركن الثاني (للتوبة) و هو"الندم على ما فات"فهو عند الفقهاء الركن الأعظم (في التوبة) ، بمنزلة قوله (-ع-) : "الحج عرفة"-لأنه الركن الأعظم. -و هنا تتشعب أمور كثيرة في التائبين. -"ميم"الندم منقلبة عن"باء"، مثل"لازم" و"لازب". و هو أثر حزنه على ما فاته يسمى"ندما". و"الندب"
(هو) "الأثر"، فقلبت ("الباء") "ميما"، و جعلت (الكلمة) الأثر الحزن خاصة.
و أما تعلقه (أي الندم) بالفوات، فمن أصحابنا من رأى أنه تضييع للوقت: فإنه ما فات لا يسترجع. -و من أصحابنا من يرى أنه (أي الندم) صاحب الوقت، و أن فائدته أن يجبر (الندم) له ما مضى، و يحتج (صاحب هذا الرأى) بقوله (-تعالى-) : إِلاّٰ مَنْ تٰابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلاً صٰالِحاً فَأُوْلٰئِكَ يُبَدِّلُ اَللّٰهُ سَيِّئٰاتِهِمْ حَسَنٰاتٍ . -و من أصحابنا من يرى أنه لا يندم إلا بإحضاره في نفسه ذنبه الحائل بينه و بين ما فاته من طاعة أمر ربه. و ذكر الجفاء في حال الصفاء جفاء، فينبغي له أن ينسى ذنبه. -و (هذا الرأى) هو خلاف (الرأى السابق) الأول، فإنه قال: "التوبة أن لا تنسى ذنبك".
و الكلام (في هذا المقام هو) فيما فاته. فمنهم من يندم على ما فاته من الاستغفار في عقب كل ذنب. -و منهم من يرى الندم على ما فاته من الوقت. -و من الناس من يرى الندم على ما فاته من الطاعة في وقت المخالفة، لأنه يشاهد التبديل: كل سيئة بما يوازنها من الحسنات، كقتل نفس باحياء نفس، و ذم بمحمدة، و صدقة بغضب أو سرقة أو خيانة. - و من الناس من يرى الندم على ما فاته من الحضور مع اللّٰه في قضائه بالمعصية، في حال المعصية. -و من الناس من يرى الندم على ما فاته من إضافة ذلك الفعل إلى الفاعل، في حال الفعل.
(إضافة الفعل إلى الفاعل الحقيقي في حال الفعل)