لأنه يفتح الحرف الواحد من الأسماء الإلهية أسماء كثيرة لا يحصرها عدد. و ذلك لأنه (هذا الحرف الواحد من الأسماء الإلهية) إنما يفتح أسماء الأسماء التي تتركب من الحروف بحكم الاصطلاح. و قد ثبت أن الحق متكلم، فقد سمى نفسه من كونه"متكلما"بالكلام الذي ينسب إليه و يليق به، و هذه الأسماء التي تظهر عن الحروف (هي) أسماء تلك الأسماء. فلو أن الحرف الواحد (من الأسماء الإلهية) يفتح اسما واحدا (من الأسماء الإلهية أيضا) ، لكان (الأمر) كما قلت من التعجب. -أ لا ترى في
(الأسماء الإلهية) المحفوظة في العموم: كالملك، و المصور، و المان، و المنان، و المقتدر، و المحيي، و المميت، و المقيت، و المالك، و المليك، و المقدم، و المؤخر، و المؤمن، و المهيمن، و المتكبر، و المغنى، و المعز، و المذل-فهذا حرف واحد (و هو الميم) افتتحنا به كذا كذا اسما إلهيا، مع أنا لم نستوف. -ثم لتعلم أن كل اسم في العالم هو اسمه، لا اسم غيره: فإنه اسم الظاهر في المظهر، و ليس في وسع المخلوقين حصرها و لا إحصاؤها، و جميعها مفاتيحها هذه الحروف على قلتها.
و لك في اختلاف اللغات أعظم شاهد و أسد دليل، إن فهمت مقصود القوم.
(أينية الأسماء في الحروف، و أينية الحروف في الأنفاس)
و أما قوله: "فأين هذه الحروف"؟ فقل له: في عوارض الأنفاس، يعرض للنفس الرحمانى ما يحدث عين الحرف، و يعرض
للحروف ما يحدث الأسماء. فاينية الأسماء الثواني في الحروف، و أينية الحروف الأنفاس، و أينية الأنفاس الأرواح، و أينية الأرواح القلوب، و أينية القلوب عندية مقلبها. و أسماء الحق لا تتعدد و لا تتكثر إلا في المظاهر. و أما بالنسبة إليه (-تعالى-) فلا يحكم عليها (أي على أسماء الحق) العدد و لا أصله الذي هو الواحد. فاسماؤه (-سبحانه-) من حيث هو، لا تتصف بالوحدة (العددية) و لا بالكثرة (العددية) . - فسؤال الامام (الترمذي) إنما هو عن الأسماء (الإلهية) التي يقع بها التلفظ في عالم الحروف اللفظية، و يقع بها الرقم في عالم الكتابة، فتارة يراعى (الحكيم الترمذي في سؤاله) الرقم، و تارة يراعى اللفظ. و أما غيره فيجعل حروفا ثوالث، و هي"الحروف الفكرية". و هي ما يضبطه الخيال من سماع المتلفظ بها، أو إبصار الكاتب لها.
السؤال الأربعون و مائة: كيف صار"الألف"مبتدأ الحروف؟