فإنه كان يتخيل أنه فقيد لها. و لم يكن. و إنما قرب الصورة المتخيلة أفرطت في القرب فلم يشاهدها، فكان يطلبها طلب الفاقد.
لا تراه حين جاءته (ليلى نفسها!) من خارج، فلم تطابق صورتها الظاهرة الصورة الباطنة المتخيلة التي مسكها في خياله منها، فرآها كأنها مزاحمة
لتلك الصورة، فخاف فقدها فقال لها: "إليك عنى! فان حبك شغلني عنك"-يريد أن تلك الصورة هي عين الحب. فبقي يطلبها: ليلى! ليلى! فإذا تقوت تلك الصورة في خيال المحب، أثرت في المحبوب تأثير الخيال في الحس. مثل الذي يتوهم السقوط فيسقط، أو يتوهم أمرا ما مفزعا فيتغير له المزاج، فتتغير صورة حسه. كذلك هذه الصورة إذا تقوت أثرت في المحبوب، فقيدته و صيرته أشد طلبا لها منها له.
فان النفوس قد جبلت على حب الرئاسة، و المحب عبد مملوك بحبه لهذا المحبوب. فالمحبوب لا يكون له رياسة إلا بوجود هذا المحب، فيعشقه
على قدر عشقه رياسته، و إنما يتيه عليه للطمأنينة الحاصلة في نفس المحبوب بان المحب لا يصبر عنه و هو طالب إياه، فتأخذه العزة ظاهرا، و هو الطالب له باطنا، و لا يرى في الوجود أحدا مثله لكونه ملكه.
فالمحب لا يعلل فعل المحبوب لأن التعليل من صفات العقل، و لا عقل للمحب. -يقول بعضهم: