فما أعظم الغفلة على قلوب العباد! هيهات! متى يبلغ البشر درجة من لا يوصف بالغفلة، و هم الملأ الأعلى الذين"يسبحون الليل و النهار لا يفترون"في غير ليل و لا نهار، "يسبحون له بالليل و النهار و هم لا يسأمون"؟ و كفى بالبشرية نقصا.
(العطايا تختلف باختلاف المستحقين)
و اعلم أن العطايا تختلف باختلاف المستحقين: فمنهم من يكون عطاؤه"هو"، و منهم من يكون عطاؤه معرفته بنفسه، و منهم من يكون عطاؤه
ما هو منه فان كان المستحق يقول بالاستحقاق الذاتي، فلا يلزمه إلا شكر إيجاد العين حيث كان مظهرا له-جل و تعالى-. و إن كان يقول بالاستحقاق العرضي- و هو يرى أنه تعالى جعل له استحقاقا-فهذا يتضاعف عليه الشكر، فإنه دون الأول في المرتبة. و إن كان المستحق يرى الاستحقاق للظاهر في مظهر ما من حيث ما هو ظاهر لذلك المظهر، و لا يرى أن عينه يستحق شيئا، فهذا لا يجب عليه شكر إلا إن أوجبه على نفسه، كإيجاب الحق على نفسه في مثل قوله: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلىٰ نَفْسِهِ اَلرَّحْمَةَ . -فتتوزع العطايا على مقادير من توزع عليهم: في العلم، و العمل، و الحال، و الزمان، و المكان، و القصد، و ملازمة العمل، و مغبته. "قد علم كل أناس مشربهم". قال فرعون لموسى و هارون:
"فمن ربكما يا موسى؟ قال: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه"-و هو الذي يستحقه. فالرب هو القاسم العطايا!
السؤال الثاني و الثمانون: كم أجزاء النبوة؟