فكما لا يمكن لشيء من الأجسام الطبيعية أن تقبل غذاء إلا من شيء هو من الطبائع التي هي (مركبة) منها، كذلك لا يمكن لأحد أن يعلم شيئا ليس فيه مثله البتة. -أ لا ترى النفس؟ (إنها) لا تقبل من العقل إلا ما تشاركه فيه و تشاكله، و ما لم تشاركه فيه لا تعلمه منه أبدا. و ليس من اللّٰه في أحد شيء، و لا يجوز عليه بوجه من الوجوه:
فلا يعرفه أحد من نفسه و فكره. قال رسول اللّٰه-ص! -:
"إن اللّٰه احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار. و إن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم". فأخبر-ع-بان العقل لم يدركه بفكره،
و لا بعين بصيرته، كما لم يدركه البصر. و هذا هو الذي أشرنا إليه فيما تقدم من بابنا. -فلله الحمد على ما ألهم، و أن علمنا ما لم نكن نعلم، و كان فضل اللّٰه عظيما!
(التنزيه و نفى المماثلة و التشبيه)
هكذا فليكن التنزيه، و نفى المماثلة و التشبيه. و ما ضل من ضل من المشبهة إلا بالتأويل، و حمل ما وردت به الآيات و الأخبار على ما لم يسبق منها إلى الأفهام، من غير نظر فيما يجب اللّٰه-تعالى-من التنزيه. فقادهم ذلك إلى الجهل المحض و الكفر الصراح. و لو (أنهم) طلبوا السلامة، و تركوا الأخبار و الآيات على ما جاءت، من غير عدول منهم فيها إلى شيء البتة، و وكلوا علم ذلك إلى اللّٰه-تعالى-و رسوله، و قالوا: لا ندري، -(لكان خيرا لهم) .